إنفراد – مريم ناصر
شهدت العلاقات الأمريكية – الأوروبية خلال رئاسة “ترامب” توترًا ملحوظًا لم يقتصر على خلافات سياسية عابرة، بل كان انعكاسًا لتحولات أعمق في بنية التحالفات، وطبيعة إدراك كل طرف لدوره داخل النظام الدولي، وهذا ما أحدث صدمة استراتيجية لدى الدول الأوروبية، وأدخل عنصر عدم اليقين في معادلة الردع الجماعي، وكشفت هذه المرحلة عن اختلافات في الثقافة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والأوروبيين.
وجاء توتر العلاقات بين «إدارة ترامب، والدول الأوروبية» خاصة فيما يتعلق بالعمليات العسكرية الأمريكية، نتيجة اختلاف الرؤى حول الالتزامات الدفاعية، وطبيعة استخدام القوة، وكيفية توزيع الأعباء بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، ما دفع أوروبا لإعادة تقييم دورها الاستراتيجي، واعتماد سياسات أكثر استقلالية.
التباعد الاستراتيجي عبر الأطلسي: التحولات في العلاقات الأمريكية – الأوروبية خلال رئاسة ترامب
أكدت الدكتور دينا يعقوب أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن لم يكن التوتر الذي شهدته العلاقات الأمريكية – الأوروبية خلال رئاسة دونالد ترامب مجرد خلاف سياسي عابر، بل مثل انعكاسًا لتحول أعمق في بنية التحالف الغربي، وطبيعة إدراك كل طرف لدوره داخل النظام الدولي.

الدكتورة دينا يعقوب أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية
وأشارت الدكتور دينا يعقوب، إلى العلاقة عبر الأطلسي التي تأسست بعد «الحرب العالمية الثانية» على مزيج من الردع العسكري، والقيادة الأمريكية للنظام الليبرالي الدولي، ودخلت خلال تلك المرحلة حالة «إعادة تعريف استراتيجية» أكثر من إنها أزمة مؤقتة.
أستاذ العلوم السياسية يوضح أثر سياسات ترامب على الردع الأوروبي وإعادة تقييم التحالفات
شرحت أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن اعتمدت الإدارات الأمريكية السابقة على تصور مؤسسي للتحالفات، حيث ينظر إلى حلف شمال الأطلسي باعتباره أداة للاستقرار الدولي، وتكريس القيادة الأمريكية، وأما إدارة ترامب فقد تعاملت مع التحالف بمنطق المعاملات “Transactionalism”، أي تقييم الشراكات وفق الكلفة والعائد المباشر.
وأضافت “يعقوب” أن هذا التحول أحدث صدمة استراتيجية لدى أوروبا، وذلك نتيجة الردع الجماعي الذي يقوم أساسًا على الثقة في الالتزام الأمريكي الـ غير المشروط، ولم تكن المشكلة هنا في مطالبة الأوروبيين بزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو مطلب أمريكي قديم.
ويذكر أن المشكلة في ربط الضمانات الأمنية الأمريكية صراحةً بالعبء المالي، ما أدخل عنصر عدم اليقين في معادلة الردع نفسها، ويفسر من منظور نظريات العلاقات الدولية، كتحول جزئي من الليبرالية المؤسسية نحو مقاربة واقعية هجومية تعطي الأولوية، لتوازن القوى على حساب المؤسسات.
الملف الإيراني والتباعد الاستراتيجي: اختلاف الرؤى الأمريكية والأوروبية في عهد ترامب
أوضحت الدكتور دينا يعقوب، أن يعد الملف الإيراني المثال الأكثر وضوحًا على التباعد عبر الأطلسي، فانسحاب واشنطن عام 2018 من الاتفاق النووي الإيراني «خطة العمل الشاملة المشتركة»، لم يكن فقط قرارًا يتعلق بالشرق الأوسط، بل اختبارًا لطبيعة القيادة الأمريكية داخل النظام متعدد الأطراف.
ولفتت أستاذ العلوم السياسية إلى أن رأت الولايات المتحدة أن الاتفاق فشل في احتواء النفوذ الإقليمي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وبالتالي فضلت استراتيجية «الضغط الأقصى» القائمة على العقوبات، والردع العسكري، وفي المقابل اعتبرت أوروبا أن الاتفاق يمثل آلية احتواء تدريجية تقلل احتمالات الحرب، وتحافظ على قنوات التفاوض.
ويظهر الاختلاف بوضوح عند تصاعد التوتر العسكري مع إيران، بما في ذلك الضربات الأمريكية التي رفعت مستوى المواجهة الإقليمية، وظهر في المسار الأول عندما واشنطن تعاملت مع القوة العسكرية كأداة لإعادة تشكيل سلوك الخصم، وظهر أيضًا عندما نظرت أوروبا إلى التصعيد باعتباره خطرًا على الاستقرار الإقليمي، وأمن الطاقة، والهجرة، وهي قضايا تمسها مباشرة أكثر من الولايات المتحدة.
وقالت الدكتور دينا يعقوب، أن هذا التباين يعكس اختلافًا بنيويًا في الثقافة الاستراتيجية؛ إذ تعد الولايات المتحدة قوة عالمية تمتلك مرونة كبيرة في التحرك، واتخاذ القرارات على نطاق واسع، بينما تعد أوروبا فاعلًا إقليميًا شديد الحساسية لعدم الاستقرار في المناطق المجاورة.
وأشارت أستاذ العلاقات الدولية إلى أن أحد أهم الآثار غير المباشرة لسياسات ترامب كان تسريع النقاش الأوروبي حول «الاستقلالية الاستراتيجية»، ولم يعد التساؤل الأوروبي: «كيف نتقاسم الأعباء مع الولايات المتحدة» بل أصبح: «ماذا لو لم تكن الولايات المتحدة شريكًا يمكن التنبؤ بسلوكه».
ويظهر من هنا مفارقة مهمة، فبدلًا من تعزيز التبعية الأمنية الأوروبية، التي أدت الضغوط الأمريكية إلى دفع الاتحاد الأوروبي نحو التفكير في دعم وتطوير قدرات دفاعية مستقلة، سواء عبر مبادرات التعاون الدفاعي الأوروبي، أو في تعزيز الصناعات العسكرية المشتركة، يمكن اعتبار ذلك مثالًا على ما تسميه الواقعية البنيوية التوازن الناعم، حيث لا تسعى الدول لمواجهة الحليف مباشرة، بل لتقليل الاعتماد عليه تدريجيًا.
التباين الاستراتيجي الأمريكي – الأوروبي: نتائج أثر انعكاسات سياسات ترامب على التحالف الغربي
لفتت الدكتور دينا يعقوب، إلى أن لا يمكن تجاهل العامل القيادي، فقد اعتمد ترامب خطابًا سياسيًا شكك علنًا في قيمة التحالفات التقليدية، وهو ما أثر إدراكيًا في النخب الأوروبية، وفي العلاقات الدولية؛ إذًا الإدراك لا يقل أهمية عن القدرات المادية، وإن الردع، والتحالفات يعتمدان على التوقعات المتبادلة أكثر من النصوص الرسمية.
وأشادت “يعقوب” إلى أن لم يكن التوتر نتيجة قرارات عسكرية فقط، بل نتيجة تغيّر في «لغة القيادة الأمريكية»، وهذا ما خلق فجوة نفسية وسياسية داخل التحالف، وتكشف تجربة العلاقات عبر الأطلسي في عهد ترامب عن ثلاث نتائج استراتيجية رئيسية، أولها التحالفات الغربية التي لم تعد قائمة على افتراضات ثابتة، بل أصبحت خاضعة لإعادة تفاوضات مستمرة.
واختتمت الدكتور دينا حديثها، موضحة أن العامل الثاني يتمثل في الاختلاف الأمريكي الأوروبي حول استخدام القوة العسكرية، ما يعكس تباينًا هيكليًا في المصالح الجيوسياسية، وليس مجرد خلاف سياسي، وأشارت إلى أن العامل الثالث يشمل السياسات العسكرية الأمريكية.
وفالنهاية، بينت أن السياسات العسكرية هي التي ساهمت بصورة غير مقصودة، في دفع أوروبا نحو التفكير في دور أمني أكثر استقلالًا، وأكدت أن سياسات ترامب لم تعمل على تفكيك التحالف عبر الأطلسي، لكنها كشفت هشاشته البنيوية، وأدخلته مرحلة انتقالية قد تعيد تشكيله.






