تحية محمد
لم تكن السينما العربية، والمصرية منها على وجه الخصوص، في فترة الثمانينيات مجرد وسيلة للترفيه أو “تزجية الوقت”، بل تحولت إلى وثيقة اجتماعية شديدة القسوة والصدق.
في ذلك العقد الذي شهد تحولات اقتصادية عنيفة و انتقالا من سياسات إلى أخرى، وقفت الكاميرا لتسجل ملامح “الإنسان المطحون” وهو يواجه غول الفقر وحلم الهجرة الذي تحول أحياناً إلى كابوس.
مع بداية الثمانينيات، بزغ نجم تيار “الواقعية الجديدة” مع مخرجين مثل عاطف الطيب، محمد خان، وداوود عبد السيد.
هؤلاء لم يصورون القصور، بل نزلوا بالكاميرا إلى “الحواري” الضيقة ومواقع البناء، لكي يرصدوا كيف يغير الفقر ملامح البشر و قيمهم.
الفقر كبطل سينمائي:
لم يعد الفقر “ديكوراً” كما في أفلام الأبيض والأسود، بل أصبح وحشا يطارد الأبطال، كما رأينا في فيلم “سواق الأتوبيس”، حيث جسد عاطف الطيب انكسار الطبقة المتوسطة وضياع الروابط الأسرية أمام ضغط المادة.
تآكل الطبقة المتوسطة:
أفلام مثل “خرج ولم يعد” طرحت تساؤلا جوهريا حول جدوى العيش في “غابة” المدينة الأسمنتية التي تبتلع أحلام البسطاء، مفضلة العودة إلى الجذور كحل للهروب من طغيان المادة.
الهجرة:
كانت الهجرة في أفلام الثمانينيات هي “المخلص” الذي انتظره الجميع، لكنها كانت أيضاً مصدر الشتات النفسي والجسدي.
جسدت السينما صراعين للهجرة:
الهجرة الداخلية (من الريف إلى المدينة):
حيث يصطدم الحلم الريفي بصخرة الزحام والاستغلال، وهو ما ظهر جلياً في فيلم “الحريف”، حيث يعيش البطل على هامش المجتمع يبحث عن انتصار معنوي وسط الهزيمة المادية.
الهجرة الخارجية:
لعل فيلم “النمر والأنثى” أو حتى الأفلام الكوميدية التي حملت طابعاً مأساوياً مثل “البحث عن سيد مرزوق”، عكست كيف أصبح السفر هو الطريقة الوحيدة لبناء مستقبل، لكنه غالباً ما كان ينتهي بفقدان الهوية أو العودة “بجسد منهك” بلا روح.
لماذا تظل هذه الأفلام حية حتى اليوم؟
يرى النقاد أن سر بقاء أفلام الثمانينيات هو “صدق الوجع”.
لم يكن هناك تجميل للواقع؛ كانت الإضاءة خافتة، الملابس بسيطة، والحوارات تشبه ما يدور في المقاهي الشعبية.
لقد نجحت هذه الأفلام في جعل “المهمش” هو البطل الحقيقي، وحولت أزمات الهجرة والفقر من مجرد أرقام في الصحف إلى قصص إنسانية تنبض باللحم والدم.
السينما في الثمانينيات لم تكن تبحث عن حلول، بل كانت تدق ناقوس الخطر، وتجبر المجتمع على النظر في مرآته المهشمة.



