تحقيق ـ بسملة الجمل
في ليلة هادئة يصرخ أحدهم فجأة في منزل مجاور، تتعالى أصوات القرآن، وأصوات ضرب خفيفة تتداخل مع همسات أهل البيت: “إنه ممسوس”، بينما في مكان آخر يجلس شاب في عيادة نفسية، قائلًا: “أشعر أن هناك من يراقبني طوال الوقت، هل أنا مسحور”، بين هذين المشهدين تتراوح الحقيقة بين الطب والعقيدة، وبين الموروثات الشعبية والحقائق العلمية.
فلماذا لا يزال الكثيرون يعتقدون أن اضطرابات مثل، الفصام، الهلاوس، الاكتئاب هي نتيجة مس شيطاني أو سحر خفي، هل فشل الطب النفسي في كسب ثقة المجتمعات، أم أن هناك بالفعل قوى خفية تتلاعب بعقولنا جميعًا، وما الذي يدفع بعض المرضى للتحسن بعد جلسات الرقية، بينما يحتاج آخرون إلى أدوية وجلسات علاج نفسي.
الإيمان والتجربة الشخصية حين تتشابك المعتقدات مع الواقع
ومن خلال الحديث مع بعض المواطنين تنوعت آرائهم، فأوضحت “سلمى هاني” أن الإيمان بوجود السحر والمس ليس مجرد خرافة، بل هو حقيقة أكدها القرآن الكريم وذكرها الله في أكثر من موضع، مما يجعل الأمر واقعًا لا يمكن إنكاره، مؤكدة أن هناك العديد من الحالات التي تثبت وقوع السحر وتأثيره على الأشخاص.
حيث يعانون من أعراض غريبة لا تفسير طبي واضح لها، مما يدفعهم للجوء إلى الرقاة والمعالجين الروحانيين بحثًا عن الخلاص، مشيرة إلى أن رسولنا الكريم “عليه أفضل الصلاة والسلام” تعرض للسحر من قبل الكفار، مما يدل على أن هذه الظاهرة ليست خيالًا أو مجرد وهم نفسي كما يدعي البعض.
أشار “محمد علي” إلى أن الفرق بين المرض النفسي والحالات التي يقال إنها بسبب الجن أو السحر يكمن في طبيعة التأثير على الإنسان، فالمرض النفسي يؤثر على المشاعر والأعصاب، ويجعل الشخص يعاني من اضطرابات في التفكير أو السلوك، لكنه يظل متصلاً بالواقع بطريقة أو بأخرى.
وذلك حتى لو كان إدراكه للأحداث مشوشًا، فالاكتئاب، القلق، والفصام، كلها حالات طبية معروفة لها أسباب نفسية وبيولوجية واضحة، ويمكن التعامل معها بالعلاج الدوائي أو السلوكي، مما يثبت أنها جزء من اضطرابات الدماغ وليست نتيجة قوى خارجية غامضة.
أما في حالات المس أو السحر فغالبًا ما يصف المصابون إحساسًا بفقدان السيطرة التام، وكأن عقلهم مغيب عن الواقع بفعل قوة غير مرئية، ويشعر البعض بأن هناك كيانًا آخر يتحكم في تصرفاتهم أو يتحدث بألسنتهم، وهو أمر لا يمكن تفسيره طبيًا بسهولة، مما يدفع الكثيرين للبحث عن حلول روحانية بدلاً من التوجه إلى العلاج النفسي.
أكد “أيمن محمد” أن معظم الناس عندما يواجهون حالة غامضة لشخص يعاني من أعراض غير مفهومة، فإنهم يميلوا اولًا نحو اللجوء إلى شيخ وليس طبيبًا نفسيًا، ويعود ذلك إلى الاعتقاد السائد بأن القرآن الكريم والرقية الشرعية يمكن أن تكشف حقيقة ما يعاني منه الشخص، سواء كان سحرًا، مسًّا، أو مجرد اضطراب نفسي يحتاج إلى علاج طبي.
فالبعض يرى أن الشيخ لديه القدرة، من خلال الرقية، على التمييز بين المرض الروحاني والمرض النفسي، مما يجعلهم يثقون أكثر في التفسير الديني قبل البحث عن الأسباب العلمية، مؤكدًا أن المشكلة ليست في اللجوء إلى الشيوخ، بل في التمييز بين الراقي الحقيقي والدجالين الذين يستغلون خوف الناس وضعفهم لتحقيق مكاسب شخصية.
فالشيخ الحقيقي يعتمد على القرآن والسنة دون استغلال المريض، بينما هناك من يدعي العلاج الروحاني ويمارس أساليب قد تزيد من معاناة المريض بدلاً من مساعدته.
أكدت “ماجدة النجدي” أن هناك الكثير من الأشخاص الذين استغلوا فكرة المس والسحر لتحقيق مكاسب مادية، مستغلين خوف الناس وجهلهم بطبيعة بعض الأعراض النفسية أو الجسدية، موضحة أن بعض المشعوذين يدعون القدرة على فك السحر وإخراج الجن، بينما هم في الواقع يعتمدون على الخداع والتمثيل لإقناع الضحية بأنه يعاني من قوى خارقة تحتاج إلى جلسات علاج مكلفة.
مضيفة أن هذه الممارسات أصبحت تجارة مربحة، حيث يدفع البعض أموالًا طائلة دون الحصول على أي حل حقيقي لمشكلاتهم، بل قد تتفاقم أوهامهم بسبب هذه الأساليب، مشيرة أن كل هذه الادعاءات ليست سوى أكاذيب، قائلة: “كذب المنجمون ولو صدقوا”، كما أوضحت أن من يزعمون امتلاك قدرات خاصة ما هم إلا محتالون يبيعون الوهم.
أشار “أحمد محمد” إلى أن التوعية بالفرق بين الأمراض النفسية والمعتقدات الدينية يجب أن تتم من خلال التعليم والإعلام، بحيث يتم تقديم معلومات علمية مبسطة حول الاضطرابات النفسية، أسبابها، وأعراضها، مع التركيز على كيفية تمييزها عن المعتقدات الشائعة مثل السحر والمس.
فكلما زادت معرفة الناس بالحقائق العلمية، قل تأثرهم بالخرافات، وأصبحوا أكثر وعيًا بأهمية اللجوء إلى الطب النفسي عند الحاجة، بدلاً من البحث عن تفسيرات غيبية لكل مشكلة نفسية أو جسدية غامضة، مؤكدًا أن دور رجال الدين المتخصصين في هذا المجال لا يقل أهمية عن دور الأطباء والعلماء.
حيث يمكنهم تصحيح المفاهيم الخاطئة من خلال خطب ودروس دينية توضح الفرق بين الإيمان بوجود السحر والمس كما ورد في القرآن، وبين استغلال هذه المفاهيم لتفسير كل حالة مرضية دون دليل، فحين يتكامل دور الدين والعلم في نشر الوعي، يمكن للمجتمع التخلص من كثير من الأفكار المغلوطة التي تضر أكثر مما تنفع.
أوضح “هاني النجدي” أن تحقيق التوازن بين العلاج النفسي والرقية الشرعية يتطلب الجمع بينهما بطريقة صحيحة دون تعارض، فالطب النفسي يعتمد على تشخيص علمي مثبت، مبني على دراسات وأبحاث طبية دقيقة، وهو ضروري لعلاج الاضطرابات النفسية التي تحتاج إلى تدخل متخصص.
وفي المقابل يمكن للرقية الشرعية أن تكون وسيلة دعم نفسي، بشرط أن تلتزم بالضوابط الشرعية الصحيحة، مثل: الاكتفاء بقراءة القرآن والأدعية المأثورة دون اللجوء إلى ممارسات غير علمية أو إيذاء المريض جسديًا أو نفسيًا، مشيرًا إلى أن الأهم هو عدم استبدال العلاج النفسي بالرقية وحدها.

أعمال السحر والدجل والشعوذة
خاصةً في الحالات التي تتطلب تدخلاً طبيًا واضحًا، مثل: الاكتئاب الحاد، الفصام، اضطرابات القلق، فالعلاج الدوائي والسلوكي قد يكون ضروريًا في بعض الحالات، بينما يمكن للرقية أن تكون عاملًا مساعدًا يمنح المريض راحة، مما يعزز من تأثير العلاج الطبي بدلاً من أن يكون بديلًا غير مدروس له.
أشارت “وسام أحمد” إلى أن وسائل الإعلام تلعب دورًا مزدوجًا عندما يتعلق الأمر بنشر الوعي حول الأمراض النفسية والمعتقدات المرتبطة بالمس والسحر، فمن جهة هناك منصات إعلامية مسؤولة تقدم محتوى توعوي مهم من خلال استضافة متخصصين في الطب النفسي والدين، مما يساعد على تصحيح المفاهيم الخاطئة ونشر المعلومات العلمية الصحيحة.
ومن جهة أخرى هناك برامج وأفلام تكرس الخرافات، حيث يتم تصوير المريض النفسي وكأنه ممسوس أو مسحور فقط، دون الإشارة إلى الأسباب الطبية والعلمية التي قد تكون وراء حالته، مما يعزز الوصمة المجتمعية ضد المرض النفسي، مؤكدة أن التأثير السلبي لبعض وسائل الإعلام يجعل الكثيرين يخافون من اللجوء إلى الأطباء النفسيين، معتقدين أن أي اضطراب نفسي هو نتيجة قوى غيبية لا يمكن علاجها طبيًا.
لذلك يجب أن يكون هناك رقابة صارمة على المحتوى الإعلامي لضمان تقديم معلومات دقيقة ومتوازنة، وتشجيع الإنتاج الإعلامي الذي يساعد على توجيه المجتمع نحو فهم أعمق وأكثر وعيًا للصحة النفسية، بعيدًا عن التهويل والخرافات.
أكدت “آية علي” أن من يعاني من أعراض نفسية أو يعتقد أنه مسحور أو ممسوس يجب أن يتعامل مع الأمر بعقلانية وتوازن بين العلم والدين، أولًا لا بد من استشارة طبيب نفسي متخصص لتقييم الحالة بشكل علمي، لأن العديد من الأعراض التي يظنها البعض ناتجة عن المس أو السحر قد تكون في الواقع اضطرابات نفسية مثل: القلق، الاكتئاب، أو الفصام.
والتي قد تحتاج إلى علاج طبي مناسب، فالتشخيص الصحيح هو الخطوة الأولى لفهم المشكلة والتعامل معها بطريقة فعالة بدلًا من العيش في دوامة الخوف والافتراضات، ثانيًا إذا كان الشخص يرغب في اللجوء إلى الرقية الشرعية، فعليه التأكد من أنها تتم بالطريقة الصحيحة، من خلال شخص ملتزم بالضوابط الشرعية.
بعيدًا عن الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون معاناة الناس لتحقيق مكاسب شخصية، ثالثًا من المهم البحث عن دعم اجتماعي قوي من الأهل والأصدقاء، لأن الحديث عن المشاعر والمشاكل النفسية يساعد على تخفيف العبء النفسي، ويجعل الشخص يشعر بأنه ليس وحده في معركته، مما يعزز من فرص التعافي بطريقة صحية وسليمة.
المعتقدات الراسخة بين الحقيقة والوهم
أكد الدكتور “محمد الوصيفي” أستاذ الطب النفسي وعلاج الإدمان بكلية الطب جامعة المنصورة، أن العلاقة بين هوس الجن والمس والسحر والأمراض النفسية معقدة ومتشابكة، حيث يسود في بعض الثقافات الاعتقاد بأن هذه العوامل الخارقة للطبيعة قد تكون سببًا للاضطرابات النفسية مثل: الاكتئاب، والقلق، والهوس.

الدكتور النفسي محمد الوصيفي
ومع ذلك فإن هذه المعتقدات لا تستند دائمًا إلى أدلة علمية، بل قد تكون نتيجة لفهم خاطئ للأعراض النفسية التي يمر بها بعض المرضى، فقد يشعر الشخص بالخوف، العزلة، أو الشكوك المستمرة، مما يدفعه إلى تفسير حالته على أنها نتيجة تأثيرات غير مرئية.
وأشار الدكتور محمد الوصيفي إلى أن الاعتقاد بالمس والسحر قد يكون ناتجًا عن تأثيرات ثقافية ودينية مترسخة، حيث تلعب البيئة والموروثات الشعبية دورًا كبيرًا في ترسيخ هذه الأفكار لدى بعض الأفراد، كما أن التجارب الشخصية مثل: الصدمات النفسية، الفقدان، قد تجعل الإنسان أكثر ميلًا للبحث عن تفسيرات خارجة عن المألوف لما يشعر به.
من ناحية أخرى بعض الاضطرابات النفسية مثل: الاكتئاب العميق، القلق المزمن، الهوس قد تدفع الشخص إلى الإحساس بأنه مسلوب الإرادة أو محاط بقوى خارقة، وهو ما يعزز لديه هذه القناعات، مشددًا على ضرورة التعامل مع هذه الحالات بمنظور علمي وثقافي متوازن.
حيث يتم الفصل بين الاعتقادات الشائعة والتفسيرات الطبية الدقيقة، فبدلًا من اللجوء إلى تفسيرات غير مؤكدة، يجب على المريض البحث عن التشخيص الطبي الصحيح والعلاج النفسي الملائم لحالته، مما يساعده على فهم طبيعة معاناته والتعامل معها بطريقة صحية وعلمية بعيدًا عن الوهم والخرافة.
في ظل هذا الجدل المستمر بين العلم والموروثات، تظل الحقيقة واضحة لمن يبحث عنها بعقل متفتح، فالأمراض النفسية ليست وصمة عار، والبحث عن علاج طبي لا يتعارض مع الإيمان، لكن الخطر الحقيقي يتجلى في ترك الخرافات تتحكم في مصائر الناس، وتحرمهم من فرص الشفاء.
ربما لن يختفي الجدل يومًا، ولكن ما يمكن تغييره هو وعي الأفراد وقدرتهم على اتخاذ قرارات مستنيرة، فبين العيادات الطبية وأماكن الرقية، يظل العقل هو الحكم، فهل نختار المعرفة والشفاء، أم نظل أسرى لأوهام قديمة.