إنفراد ـ بسمة البوهي
من قلب البحر، تنبعث من جديد أساطير المدن والمواني المصرية الغارقة، ثم تخرج حاملة بين طياتها شواهد حضارة قديمة، وهذه الشواهد لا تزال تبهر العالم على مدار السنوات، ويقوم علماء الآثار بلا ملل على استكشاف هذا التراث المغمور، حيث يكشفون عن كنوز أثرية مذهلة من معابد وتماثيل وقطع نادرة، التي تعكس عظمة مصر كمركز حضاري وتجاري وروحي عبر آلاف السنين.
أكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية أن الإسكندرية تمتلك ثروة نادرة من التراث الثقافي المغمور طافت بلدان العالم في عدة معارض خارجية

خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة
وأشار الدكتور إلى اكتشاف الفرنسي فرانك جوديو مؤسس ومدير المعهد الأوروبي للآثار الغارقة عام 2000 مدينة هيراكيلون “ثونيس” الغارقة في خليج أبو قير، والتي كانت ميناءً مصريًا قديمًا أثناء بحثه عن سفن فرنسية غارقة تمثلت في معابد ضخمة، وتماثيل لآلهة مصرية وعملات ذهبية وحُلي وأوانٍ فخارية وحطام سفن.
وقد بدأ المجلس الأعلى للآثار المصري، بالتعاون مع المعهد الأوروبي للآثار الغارقة بقيادة فرانك جوديو وفريقه خطة البحث عن المدينة الغارقة “ثونيس هركليون” 1996 عامًا، واستغرق رسم خريطة مفصلة للمدينة عدة سنوات، ثم بدأ المسح باستخدام أحدث المعدات التقنية، وتمكن الفريق من تحديد موقع المدينة والتنقيب في أجزاء منها لتكتشف رسميًا في عام 2000.
وأشار الدكتور ريحان إلى توصل الفريق إلى معلومات تخص المعالم الأثرية القديمة مثل معبد آمون وابنه خونسو “المسمى هرقل عند الإغريق”، بالإضافة إلى الموانئ التي كانت تسيطر سابقًا على التجارة في مصر والحياة اليومية لسكان المدينة، كما حل الفريق لغزًا حير علماء المصريات يخص مدينة “ثونيس هركليون”، والتي أوضح الاكتشاف أنها مدينة واحدة باسمين مختلفين “ثونيس” عند المصريين و”هركليون” عند الإغريق، وتعود إلى العصر البطلمي في القرن الثامن قبل الميلاد قبل تأسيس مدينة الإسكندرية عام 331 قبل الميلاد.
وكان لمدينة ثونيس هركليون أهمية قصوى إذ كانت ميناءً ترسو عليه البضائع القادمة من اليونان لتجد طريقها إلى الأراضي المصرية كما اكتسبت المدينة أهمية دينية من وجود معبد آمون فيها ووصف المؤرخ اليوناني هيرودوت الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد معبد هرقل الذي تضمه المدينة بأنه “معبد عظيم شُيّد في المكان الذي وطأت فيه قدم البطل الشهير هرقل مصر لأول مرة”.
وقد كشفت القطع المستخرجة عن حجم الازدهار الاقتصادي الذي شهدته المدينة في الفترة بين القرنين الرابع والسابع قبل الميلاد، مثل التماثيل الضخمة والنقوش والمجوهرات والعملات المعدنية والخزف، كما أظهر الاكتشاف وجود 700 مرساة قديمة بأشكال مختلفة و125 حطامًا لسفن قديمة، مما يعد دليلًا على النشاط البحري المكثف للمدينة.
ونوه الدكتور ريحان إلى أن الكنوز المكتشفة لمدينة “ثونيس هركليون” طافت العديد من بلدان العالم في معارض كبيرة متنقلة منها معرض “أوزوريس وأسرار مصر الغارقة” عامي 2016-2015 في معهد العالم العربي بباريس، ثم انتقل إلى مدن في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ضم 293 قطعة منها 270 منتشلة من الماء ناتج أعمال بعثة المعهد الأوربي للآثار تحت الماء مثلت 3 مجموعات مستخرجة من الميناء الشرقى وموقعى كانوب وهيراكليوم بخليج أبى قير.
ومعرض “مدن غارقة: عوالم مصر الضائعة” عام 2016 بالمتحف البريطاني يخص تاريخ مدينتي هرقليون وكانوبوس شمال الإسكندرية اللتين غرقتا منذ أكثر من 1300 عام بالقرب من خليج أبو قير عرض به 300 قطعة أثرية، منها تماثيل ضخمة قد اختفى نصفها أو أكثر تحت رمال قاع البحر وصناديق وجرار من الفخار وحلي، التي قد اختفت تحت طبقات من الطحالب والأعشاب البحرية
ومعرض “كنوز مصر القديمة، المدن الغارقة”، بمتحف فيرجينيا للفنون الجميلة بالولايات المتحدة الأمريكية عرض به 300 قطعة، معظمها من الحفريات تحت الماء فى المدن المصرية القديمة كانوبس وتونيس هيراكليون.
وتابع الدكتور ريحان بأن البعثة الأثرية المصرية الفرنسية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار والمعهد الأوروبي للآثار البحرية، كشفت عام 2023 عن معبد للإلهة أفروديت من القرن الخامس قبل الميلاد، وعدد من اللقى الأثرية تخص معبد آمون خلال أعمال التنقيب تحت الماء بمدينة تونيس هيراكليون الغارقة بخليج أبي قير.
وعثرت بداخل المعبد على لقى أثرية برونزية وخزفية مستوردة من اليونان بالإضافة إلى بقايا أبنية مدعومة بعوارض خشبية يعود تاريخها إلى القرن الخامس قبل الميلاد، كما كشف عن المنطقة التي كان يخزن بها القرابين والنذور والعناصر الثمينة بمعبد آمون الغربي منها مجموعة من الحلي من أقراط على شكل رأس أسد وعين واجيت ودلاية وأواني من المرمر كانت تستخدم لتخزين العطور ومراهم التجميل، بالإضافة إلى مجموعة من الأطباق الطقسية المصنوعة من الفضة والتي كانت تستخدم في الطقوس الدينية والجنائزية وقبضة يد نذرية من الحجر الجيري وأبريق على شكل بطة من البرونز.
وتضم مدينة تونيس هيراكليون الغارقة معبد أفروديت ومعبدا إيزيس، ومعبد هيراكليز الذى استمدت منه المدينة اسمها و قبل مجيء الإسكندر الأكبر كانت هذه المنطقة حلقة الوصل بين أوروبا وآسيا باعتبارها أكبر ميناء مصري في ذلك الوقت، على نهاية فرع كانوب أحد أفرع النيل السبعة في ذلك الوقت ومنه تصل إلى قفط في محافظة قنا، ثم يتم نقل البضائع عبر الدواب إلى مراكب في البحر الأحمر للانطلاق إلى آسيا وشرق إفريقيا.
أول استخراج للآثار من البحر المتوسط
ويوضح الدكتور أن انتشال قطع أثرية من البحر المتوسط للمرة الأولى منذ مرور 25 عامًا مؤخرًا، مشيرًا إلى انتشال ثلاث قطع أثرية بارزة من منطقة غرب كانوب تشمل تمثال ضخم من الكوارتز على هيئة أبو الهول يحمل خرطوش الملك رمسيس الثاني، وتمثال من الجرانيت لشخص غير معروف من أواخر العصر البطلمي مكسور الرقبة والركبتين، وتمثال من الرخام الأبيض لرجل روماني من طبقة النبلاء، وذلك بواسطة بعثة آثار مصرية خالصة بالمجلس الأعلى للآثار كشفت عن مبانٍي ثابتة ومنقولة غمرتها المياه عبر القرون، ربما نتيجة لتغيرات جيولوجية أو زلازل أدت إلى هبوطها تحت مياه المتوسط.
وأضاف الدكتور ريحان بأن هناك التزام من وزارة السياحة والآثار باتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه وهي معاهدة اعتمدت في 2 نوفمبر 2001 من قبل المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو” وتختص بحماية جميع آثار الوجود البشري التي تتسم بطابع ثقافي أو تاريخي أو أثري المغمورة تحت الماء لأكثر من 100 سنة.
التعليمات التي إتخذتها الدول للحفاظ على الآثار المغمورة
وأستكمل الدكتور عبد الرحيم أن حماية حطام السفن والمدن الغارقة والأعمال الفنية ما قبل التاريخ والكنوز التي قد نهبت ومواقع الدفن فضلًا عن الموانئ القديمة التي تغطي المحيطات، وأن الدول الأعضاء في الاتفاقية ومنهم مصر تتفق على العمل من أجل الحفاظ على الممتلكات الثقافية الغارقة في نطاق ولايتها وأعالي البحار ولذلك طبقًا للاتفاقية فإن بعض القطع ستظل في موقعها الأصلي تحت الماء حفاظاً على قيمتها التاريخية بينما يتم انتشال غيرها وفق معايير علمية دقيقة وضوابط صارمة تتيح استخراجها وحمايتها.
كما أعلن المجلس الأعلى للآثار بأن هناك اكتشافات مرتقبة ضمن التراث المغمور بالمياه بالإسكندرية وهى سفينة أثرية سيتم الإعلان عنها خلال الفترة المقبلة فور استكمال أعمال الكشف والدراسة العلمية المتكاملة لها.
وأكدت أعمال المسح والدراسة أن الموقع يمثل مدينة متكاملة المرافق تعود للعصر الروماني، تضم مباني ومعابد وصهاريج مياه وأحواضًا لتربية الأسماك، فضلًا عن ميناء وأرصفة أثرية، ما يرجح أنه امتداد للجانب الغربي من مدينة كانوب الشهيرة، التي سبق اكتشاف جزء منها شرق المنطقة. كما تكشف الشواهد عن استمرارية حضارية عبر عصور متعددة تشمل المصري القديم، البطلمي، الروماني، البيزنطي، والإسلامي.
الآثار التي تم العثور عليها
كما أسفرت أعمال البحث عن العثور على مجموعة كبيرة من الشواهد الأثرية المهمة، أبرزها امفورات تحمل أختامًا للبضائع وتواريخ إنشائها، بقايا سفينة تجارية محملة بالجوز واللوز والمكسرات وبها ميزان نحاسي كان يستخدم للقياس، إضافة إلى تماثيل ملكية وتماثيل لأبي الهول، ومجموعة من تماثيل الأوشابتي، ومرساوات حجرية، وعملات من العصور البطلمية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، فضلاً عن أوانٍ وأطباق فخارية وأحواض لتربية الأسماك ورصيف بحري ممتد بطول 125 مترًا.
ومن هذا المنطلق يطالب الدكتور ريحان باستثمار التراث المغمور تحت المياه بالإسكندرية ثقافيًا طبقًا لاتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور 2001 بالتعريف بأهميته بوسائل الإعلام وإنشاء أقسام متخصصة للدراسات العليا في هذا التخصص بالجامعات وتوجيه الشباب للتعريف به عبر وسائل التواصل الاجتماعى المختلفة وعمل مسابقات للشباب وندوات وورش عمل لخلق جيل واعى بأهمية هذا التراث وفتح مجال الاستثمار لتنميته.
كما يطالب بخلق مقوم جديد لسياحة التراث الثقافى المغمور تحت المياه وإعداد جيل من المرشدين السياحيين الغواصين للتعامل مع التراث المغمور وتعريف منظمى الرحلات السياحية فى العالم بهذا التراث وكذلك كل الهيئات المهتمة بهذا النوع من التراث المغمور فى العالم.
في النهاية، هذه الكنوز الغارقه ليست مجرد قطع أثرية تعرض خلف وجهات المتاحف، بل هي شهادة حية تنبض بعظمة الحضارة المصرية وتراثها الذي لا يتغير، ومع تزايد الإهتمام العالمي بالآثار المغمورة يفتح هذا المجال آفاقًا عديدة للاستثمار ولتعزيز مكانة مصر سياحية والثقافية، ورسالة إلى العالم أن مصر لا تزال قادرة على إبهار الجميع ليس فقط بما يظهر على سطح أرضها، بل بما تخفية أعماق أبحارها أيضًا.