كتبت- آلاء الدسوقى
يقدم المخرج والمؤلف محمد حماد تجربة سينمائية لافتة عبر فيلمه خروج آمن، المشارك ضمن قسم البانوراما في الدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائي الدولي، حيث يطرح عملًا متكامل العناصر، يتسم بالانضباط الفني والطرح الإنساني العميق، ويعكس تطورًا ملحوظًا في أدواته الإخراجية والدرامية.
ينحاز الفيلم إلى عوالم المهمشين، أولئك الذين يعيشون على أطراف المشهد اليومي دون أن يلتفت إليهم أحد. في قلب الحكاية يقف “سمعان”، الذي يجسده مروان وليد، شاب قبطي يعمل حارس عقار بوسط البلد، مهنة ورثها عن والده الذي قُتل في ليبيا على يد تنظيم داعش في واقعة دامية راح ضحيتها عدد من الأقباط المصريين. نجا سمعان من الحادثة ليصبح شاهدًا على المأساة، حاملاً عبء الذكرى وثقل الفقد.
تتجلى معاناة البطل في حياة رتيبة تسيطر عليها المخاوف والضغوط، فيما يقبع شقيقه خلف القضبان بعد محاولته الدفاع عن نفسه. عالم خانق يتآكل فيه الإحساس بالقيمة، إلى أن تظهر “فاطمة”، التي تؤدي دورها نهى فؤاد، في أداء صادق ومكثف لفتاة ليل فقيرة، يمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا ويكشف عن موهبة قادرة على ترك بصمة واضحة.
وجود فاطمة يشكل نقطة انعطاف في مسار سمعان؛ تدفعه لمراجعة ذاته، والتمرد على واقعه، ومواجهة الخوف الذي كبل روحه طويلًا. ومن خلال كاميرا تتخذ موقع المراقب، يخلق حماد حالة من الضيق البصري تعكس ضيق الأفق الذي يعيشه البطل، إذ تدور معظم الأحداث في فضاءات محدودة توحي بالحصار الداخلي قبل الخارجي.
السيناريو يعتمد على حوار مكثف ومحمّل بالدلالات، يترك للمشاهد مساحة لاكتشاف المعاني بين السطور، كاشفًا عن صراع بين تدين شكلي هش ورغبة حقيقية في الخلاص. ويختار الفيلم نهاية مفتوحة، تضع مصير سمعان أمام احتمالات متعددة في عالم مضطرب ومتناقض.
بهذا الطرح، يرسخ محمد حماد حضوره كمخرج يمتلك رؤية واضحة وجرأة في الاقتراب من المسكوت عنه، مقدمًا عملًا إنسانيًا يضع المهمشين في قلب الكادر، ويطرح تساؤلات عميقة حول الحرية والخوف ومعنى النجاة في واقع لا يمنح “خروجًا آمنًا” بسهولة.






