إنفراد ـ بسمة البوهي
في سواحل البحر المتوسط، حيث تختلط أمواج البحر بظلال التاريخ، وفيها ترقد مدن مصرية غارقة كانت يومًا ما منارات للحضارة والتجارة والروح، وتحت المياة تختبئ أسرار من زمن بعيد، تنتظر أن تروى من جديد، وبين أنقاض المعابد والتماثيل وينبض تراث مغمور يعكس عظمة مصر التي لا تنسى، ويعيد رسم ملامحها في ذاكرة العالم.
وتعرف الإسكندرية بمرأةً لحضارات عظيمة، وتحديدًا ميناء أبو قير الذي يحتوي على أسرار مدفونه تحت سطح البحر، كما أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن استخراج أربع قطع أثرية غارقة من قاع البحر في منطقة أبو قير، لتعيد إلى الأذهان مجدًا بعظمة الحضارة المصرية، وتفتح أفاقًا جديدة لفهم تاريخ المدينة الساحلية العريقة.
استشارة المؤرخ وخبير الآثار في هذا الموضوع
يقول الدكتور بسام الشماع، المؤرخ والمحاضر الدولي، إن الإسكندرية كانت مشيدة على أطلال مستوطنة مصرية قديمة تُسمّى “راكوتيس” وهذا هو اسمها باليونانية، أما اسمها بالمصرية القديمة في عهد الأسرات هو “رع قيدت” أي رع شيد أو بنى من بناء، وأضاف لها اليونانيين كما هي العادة إضافاتهم اللغوية فصارت راكوتيس.

الدكتور بسام الشماع، المؤرخ والمحاضر الدولي
ويوضح الدكتور بسام، تظهر نتائج التأريخ بالكربون المشع لقطع أصداف البحر وآثار التلوث البيئي بالرصاص، وجود نشاط بشري قد يكون ورشة عمال مثلا في هذا الموقع، وهو ما يدل على وجود نشاط بشري خلال فترة الدولة القديمة “بين القرنين الـ27–21 ق.م”، ثم مرة أخرى بين عامي 1000–800 ق.م، تلاها غياب لهذا النشاط بعد ذلك، وهو ما يعني أن الإسكندرية “قبل أن تسمى هكذا”.
ويستكمل الدكتور كانت تعج بالسكان والنشاطات العمالية البشرية وقت بناء الأهرامات بالجيزة، وتذكر المصادر القديمة أن هناك مركزًا تجاريًا في هذا الموقع في زمن الدولة الحديثة، للتبادل التجاري مع كريت، لكنه كان قد اندثر عند وصول الإسكندر الكبير.
يوضح “الشماع” إذًا فلا مانع أبدًا من أن رمسيس الثاني كان له إنشاءات هناك في تلك المنطقة، خصيصًا أن هناك تمثال غارق أيضًا يخص والد الملك رمسيس الثاني، وهو الملك سيتي الأول، وتكشف الأبحاث القديمة أن راقودة أو راكوتيس، أو رع قيدت ، كانت مدينة عامرة بالنشاط قبل أن يأتي الإسكندر بقرون.
ويضيف المؤرخ أن هناك عدة تفسيرات، منها أن هذه القطع الأثرية الضخمة أُلقيت عمدًا في البحر لتعمل كمصدات تمنع السفن المعادية من الاقتراب من الإسكندرية في فترات قديمة، أو أن وصولها للبحر كان نتيجة تسونامي ضرب المدينة في تاريخها وجرف العديد من الأشياء معها، من بينها هذه القطع.
وأن هذا الاكتشاف ليس الأول للقطع الأثرية المغمورة تحت المياه، فقد بدأ النشاط المصري في هذا المجال عام 1990، عندما قام فريق من اتحاد الغوص بقيادة الكابتن محسن الجوهري وبالتعاون مع جامعة الإسكندرية بالكشف عن حطام مركب “المعمورة”، بعد تداول معلومات عن وجود حطام سفينة بالموقع.
وقد تمكن الفريق من الوصول إلى الحطام والكشف عن العديد من اللقى الفخارية والحجرية، وكان من بينهم الطالب عماد خليل، الذي أصبح الآن أستاذ الآثار البحرية ومؤسس ومدير مركز الإسكندرية للآثار البحرية بجامعة الإسكندرية، وتم انتشال بعض اللقى وتسليمها لهيئة الآثار المصرية.
وأن النشاط استمر في عام 1993 عندما لاحظت مخرجة الأفلام التسجيلية أسماء البكري أثناء تصوير فيلم عن المتحف اليوناني وجود كتل خرسانية ملقاة فوق جزء من موقع فنار الإسكندرية المغمور، كانت هيئة حماية الشواطئ قد ألقتها لحماية صخرة القلعة من عوامل البحر، وعلى الفور أبلغت المسؤولين عن الآثار بالإسكندرية بخطورة الأمر، ما أدى إلى التفكير في مشروع لانتشال الكتل الخرسانية وإنقاذ الموقع.
ويعتبر فنار الإسكندرية من عجائب الدنيا السبع القديمة، الذي بدأ يستعيد حضوره التاريخي من جديد، في موقعه الأصلي بمنطقة قلعة قايتباي، تم استخراج أكثر من 22 كتلة حجرية ضخمة من قاع البحر، تزن كل منها ما بين 70 إلى 80 طن، ضمن أكثر من مائة قطعة أثرية تم العثور عليها هناك، وهذه الكتل يعتقد أنها كانت جزءًا من البنية الأصلية للفنار، الذي شيد في العصر البطلمي على يد المهندس الإغريقي سوستراتوس، وبلغ ارتفاعه نحو 120 مترًا.
وفي عام 1994، كُلّف جان إيف إمبيرور، مدير المركز الفرنسي للدراسات السكندرية، بإجراء حفائر إنقاذ بالموقع وتكوين فريق مشترك من المركز والمجلس الأعلى للآثار وجمعية الآثار والأكاديمية البحرية، وتحت إشراف القوات البحرية المصرية. وبدأ العمل بالموقع، ثم في عام 1995 تقدم المركز بمشروع حفائر علمية وتوثيق لموقع فنار الإسكندرية القديم، وتم اكتشاف جزء كبير من الموقع وانتشال 35 قطعة أثرية ونقلها إلى معمل الترميم بكوم الدكة للمعالجة وإعدادها للعرض.
القطع التي تم انتشالها من ميناء أبو قير
وتعتبر القطع المنتشلة تمثل التنوع في اللقى التي تم العثور عليها، وشملت تمثالًا ضخمًا لبطلميوس الثاني الموجود حاليًا أمام مكتبة الإسكندرية، وأجزاء من أعمدة بردي، وتماثيل لأبو الهول، وبعض المسلات من الكوارتزيت التي ترجع لعصر الملك سيتي الأول، وقاعدة مسلة عليها خرطوش الملك سيتي الأول، وأخرى من الجرانيت تخص سيتي الثاني.
وأن منذ عام 1994، بدأ المجلس الأعلى للآثار في إعداد كوادر من مفتشي الآثار للتدريب على الغوص ومشاركة البعثة خلال أول موسم عمل لها، حيث تم تدريب أربعة مفتشين من إدارات مختلفة على أعمال الغوص، ودعمت جمعية الآثار المعدات اللازمة، وتكفلت الأكاديمية البحرية بالتدريب، لكن لم يتم إنشاء إدارة متخصصة للآثار الغارقة حتى ذلك الوقت.
جهود العلماء والباحثين في إيجاد الفنارة
ويعمل فريق من العلماء والباحثين حاليًا على مشروع طموح لإعادة رسم الفنار بتقنية ثلاثية الأبعاد، اعتمادًا على القطع المستخرجة ووصف الرحالة القدامى مثل المسعودي وابن بطوطة، الهدف هو الوصول إلى تصور دقيق للشكل الأصلي للمنارة التي تهدمت بفعل زلزال مدمر ضرب المنطقة في القرن الرابع عشر الميلادي، وقد أشار المهندس الفرنسي جاك باريار إلى أنه تمكن من تصميم نموذج مطابق للفنار بعد سنوات من البحث في المخطوطات القديمة، ويخطط لعرضه عالميًا.
وفي النهايه تعتبر الآثار الغارقة التي تم اكتشافها التي لا تعد مجرد إنجازات أثرية، بل هي إشارة لإعادة النظر في تاريخنا من زواية جديدة تبرز ما خفي تحت الماء كما تظهر الآثار فوق الارض، ولهذا تفتح مصر أبوابًا جديدة للسياحة والثقافة وتقول للعالم أجمع، أن حضارتها لا تزال قادرة على إبهار العالم، حيث تضيف آثارًا من أعماق البحر إلى صفحات التاريخ.