بسملة الجمل
تواصلت خيبات ريال مدريد هذا الموسم بصورة صادمة، بعد الخروج من كأس ملك إسبانيا في مباراة لم تكن الهزيمة فيها الحدث الأهم، بقدر ما كانت المرآة التي عكست أزمة متراكمة بدأت بخسارة السوبر الإسباني أمام برشلونة، ثم تعثر جديد أعاد فتح الملفات المؤجلة داخل أروقة النادي الملكي.
وجاءت الهزيمة الأخيرة في أول اختبار رسمي للمدرب ألفارو أربيلوا، الذي وجد نفسه فجأة في واجهة المشهد عقب رحيل تشابي ألونسو، ورغم الرمزية الكبيرة لأربيلوا داخل النادي، فإن الواقع الذي استلمه كان معقدًا، فريق مثقل بالضغوط، وأداء متذبذب، وغرفة ملابس تبحث عن صوت يقودها لا مجرد اسم يحمل تاريخًا أبيض.
وداخل الملعب، لم يظهر ريال مدريد كفريق عاجز، بل كفريق بلا ملامح واضحة، فترات جيدة تتبعها لحظات ارتباك، محاولات فردية بلا روح جماعية، وسيطرة لا تترجم إلى خطورة حقيقية، المشكلة لم تكن في الإمكانيات، بل في غياب الشخصية التي لطالما ميزت الفريق في أصعب الظروف.
غرفة الملابس تهمس بما لا يقال.. وحيرة القرار في مكاتب الإدارة
وبعيدًا عن العشب الأخضر، بدت غرفة الملابس وكأنها تعيش حالة صمت ثقيل، خلافات غير معلنة، وتراكمات لم تحل في عهد تشابي ألونسو، انعكست على أداء بعض النجوم، وظهر فينيسيوس جونيور متأثرًا بقرارات فنية متكررة أبعدته عن أدواره المفضلة، بينما عانى فيديريكو فالفيردي من عدم الاستقرار التكتيكي، في وقت برز فيه تباين واضح في الرؤية مع جود بيلينغهام، رغم تأثيره الواضح داخل الملعب.

ولم تصنع هذه التفاصيل ضجيجًا إعلاميًا كبيرًا، لكنها تسللت بهدوء إلى أرضية الملعب، لتكشف أن الأزمة لم تكن أزمة أسماء أو جودة، بل أزمة اتجاه وفلسفة، فريق يملك كل أدوات النجاح، لكنه يفتقد البوصلة التي تحدد كيف ولماذا يلعب.
وهنا تتجه الأنظار مجددًا إلى فلورنتينو بيريز، رئيس النادي، الذي يقف أمام لحظة مفصلية، فبينما لا يمكن إنكار نجاحه الإداري والتسويقي، يطرح الواقع الحالي تساؤلًا صريحًا حول ترتيب الأولويات: هل ما زال المشروع الرياضي يتقدم الصفوف، أم أن الحسابات التجارية والصورة العالمية باتت تسبق احتياجات الملعب.
أزمة قيادة وهوية قبل أن تكون أزمة نتائج
واختيار أربيلوا لقيادة المرحلة فتح بدوره باب النقاش، فالتاريخ والانتماء يمنحان الاحترام، لكن قيادة فريق مليء بالنجوم تتطلب خبرة في إدارة الأزمات بقدر ما تتطلب فهمًا فنيًا. ومع تزايد الضغوط، يصبح السؤال مشروعًا: هل كان ريال مدريد بحاجة إلى اسم أكثر جاهزية لهذه المرحلة الحساسة.

والخروج من الكأس لم يكن الصدمة الحقيقية، بل ما كشفه من فراغ في الرؤية وارتباك في التخطيط، أزمة ريال مدريد اليوم لا تُختصر في نتيجة مباراة، بل في هوية تبحث عن نفسها، فريق اعتاد أن ينهض سريعًا، لكنه هذه المرة مطالب أولًا بأن يعرف إلى أين يتجه.
ريال مدريد يبحث عن هويته وسط ضبابية المشروع الرياضي
وفي مدريد، اعتاد الجمهور أن يرى فريقه يسقط ثم ينهض أقوى، فالهزيمة كانت دائمًا جزءًا من الرحلة وليست نهايتها، لكن ما يحدث الآن يتجاوز خسارة بطولة أو مباراة عابرة، إذ يواجه النادي خطرًا مختلفًا اسمه غياب الوضوح، ولا يعاني ريال مدريد نقصًا في النجوم، ولا أزمة مواهب أو إمكانيات، بل يعاني فراغًا في الفكرة التي تجمع كل ذلك تحت سقف واحد.
ومع استمرار الغموض حول المشروع الرياضي، تصبح كل نتيجة سلبية مجرد حلقة جديدة في سلسلة القلق، فالملكي اليوم لا يحتاج فقط إلى انتصار يعيد الثقة، بل إلى رؤية واضحة تعيد تعريف هويته داخل الملعب، وتمنحه اتجاهًا ثابتًا يعيد له شخصيته التي طالما أخافت خصومه، وفي مدريد، يمكن تقبل الخسارة حين تكون عثرة في طريق واضح، لكن التيه هو الخطر الذي لا يغتفر.






