بسملة الجمل
في ليلة بدت عادية على الورق، اختار كيليان مبابي أن يحولها إلى حكاية تروى، ليس بهدف فقط، بل بلقطة تختصر شخصيته داخل وخارج الملعب، ويتصدر ريال مدريد الليغا بعد فوز صعب على فياريال، لكن المشهد الذي خطف الأضواء لم يكن صافرة النهاية، بل ما سبقها بثوانٍ.
عندما وقف مبابي أمام ركلة الجزاء في الدقائق الأخيرة، توقع الجميع تسديدة قوية تحسم الأمور بلا نقاش، وفكر الفرنسي بطريقة أخرى، ووضع الكرة بهدوء مستفز على طريقة “بانينكا” في قلب المرمى، وكأنه يلعب في حديقة منزله لا في سباق صدارة مشتعل.
الهدف لم يكن النهاية، بل البداية، كيليان مبابي انطلق مباشرة نحو إبراهيم دياز، وهو يصرخ ضاحكًا: “من أجلك.. من أجلك!”، لقطة أربكت الجماهير قبل أن تفهم مغزاها.
ويعود السر إلى ذكرى قريبة ومؤلمة عاشها دياز مع المنتخب المغربي في نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 أمام السنغال، حين حاول تنفيذ ركلة جزاء بأسلوب مشابه، لكنها خانته في اللحظة الأصعب، لتتحول إلى واحدة من أكثر لقطات البطولة قسوة.
مبابي، بروحه المرحة، اختار أن يعيد كتابة المشهد ولكن بنهاية مختلفة، وكأن رسالته لزميله كانت واضحة: “ما ضاع هناك، نسترده هنا”، مزحة ثقيلة الظل، لكنها مغلفة بود واضح بين لاعبين تجمعهما علاقة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
اللقطة حملت أيضًا نكهة “التحفيل” الكروي المعروف، فمبابي، ذو الأصول الجزائرية من جهة والدته، لم يفوت فرصة دغدغة المشاعر القارية بطريقة ذكية، دون إساءة أو استفزاز مباشر، بل بابتسامة وهدف محسوب.
وبعيدًا عن المزاح، ريال مدريد يعيش لحظة استقرار لافتة تحت قيادة ألفارو أربيلوا، الفريق يخطف الصدارة من برشلونة، مبابي يرفع رصيده إلى 21 هدفًا، وفينيسيوس جونيور يستعيد جزءًا مهمًا من بريقه، بينما تبدو المجموعة أكثر انسجامًا وثقة.
أما إبراهيم دياز، الذي خرج من كأس إفريقيا محمّلًا بالاعتذار لجماهير بلاده، فوجد في لقطة مبابي طريقًا مختلفًا للعودة إلى الابتسام، كرة ضائعة هناك، وركلة ناجحة هنا، وبينهما صديق قرر أن يمزج الدعم بالمزاح في توقيت مثالي.
في مدريد، لا تصنع القصص بالأهداف فقط، بل باللحظات التي تقال فيها أشياء كثيرة دون كلمة واحدة؛ بلحظة نظرة، أو ابتسامة، أو قرار جريء يُتخذ في ثانية داخل الملعب، فيتحول إلى حكاية تروى طويلًا.
هناك، لا يقاس اللاعب بعدد الكرات التي سكنت الشباك فحسب، بل بقدرته على خلق مشهد يعيش في الذاكرة، ويمنح الجماهير شعورًا بأنهم شهدوا شيئًا استثنائيًا يتجاوز لوحة النتيجة.
كذلك في ريال مدريد، التفاصيل الصغيرة تصنع المجد، واللقطات العابرة قد تختصر موسمًا كاملًا، لأن هذا النادي اعتاد أن يكتب تاريخه بلحظات لها روح، قبل أن يكون لها أرقام.






