بسملة الجمل
لم تنتظر مجموعة من أبناء قرية بردين بمحافظة الشرقية حلولًا جاهزة لمشكلاتهم، وبدلًا من الاكتفاء بعرض المطالب، اختاروا أن يبدأوا بما يمكنهم إنجازه بأنفسهم، في تجربة أهلية تسعى إلى توحيد أبناء القرية وتحويل روح المشاركة إلى خطوات ملموسة في الشارع.
بدأت الفكرة من لقاءات جمعت عددًا من أبناء بردين لمناقشة احتياجات الأهالي وترتيب الأولويات، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أكثر عملية، تقوم على تحديد الملفات التي تحتاج إلى تدخل الجهات التنفيذية، وأخرى يمكن التعامل معها بالمجهود الذاتي.
مطالب كبيرة.. وبداية من الممكن
وعقب انتخابات مجلس النواب، دعا أبناء بردين عددًا من أعضاء المجلس إلى لقاء لمناقشة أبرز الملفات التي تشغل أهالي القرية، وعلى رأسها تطوير محطة السكة الحديد، ومشروع الغاز، ومياه الشرب والري، إلى جانب مستشفى بردين.
وتتطلب هذه الملفات قرارات وإمكانات تنفيذية تتجاوز حدود العمل الأهلي، لذلك لم تتوقف المناقشات عند حدود المطالبة، بل ظهر اتجاه آخر داخل اللقاءات: أن يبدأ أبناء القرية بأنفسهم في الملفات التي يستطيعون التعامل معها دون انتظار.
ومن هنا جرى الاتفاق على البدء بثلاثة محاور واضحة، هي مكافحة الناموس، ورفع القمامة من المداخل العامة، وتحسين الصورة البصرية لمداخل بردين من خلال التشجير والتجميل.
من الاجتماع إلى الشارع
لم تستغرق الفكرة وقتًا طويلًا حتى تحولت إلى عمل، حيث جرى شراء جهازين للضباب لاستخدامهما في مكافحة الناموس، وبدأ الشباب المشاركون تنفيذ عمليات الرش بصورة دورية كل ثلاثة أيام، بهدف تغطية شوارع القرية بالمبيد.
وفي الوقت نفسه، تحرك المشاركون في ملف النظافة لإزالة تجمعات القمامة الموجودة بالمداخل العامة، مع استمرار أعمال التنظيف أسبوعيًا، بالتزامن مع توعية الأهالي بضرورة الحفاظ على الشوارع وعدم إلقاء المخلفات بها.

لكن المبادرة لم تكتفِ بإزالة المظاهر السلبية، إذ انتقلت إلى خطوة أخرى تستهدف تغيير شكل المكان، من خلال زراعة أكثر من 40 نخلة زينة من نوع «كوكيز» في مداخل القرية، لإضفاء مظهر أكثر تنظيمًا وجمالًا عليها.
أسماء شاركت في التجربة
وشارك في هذا التحرك عدد من أبناء بردين، من بينهم حسن وتيد، وفوزي عامر، وعاطف توفيق، إلى جانب الحاج محروس العريان، وجمال شاور، وعبد الرؤوف نور قطب، وجمال بدران، وأحمد مصطفى مسلم، والحاج صلاح أيوب، والمهندس محمد فتحي، ونشأت عامر، ومحمد حسام بدران.
فضلًا عن عدد آخر من أبناء القرية الذين ساهموا في تنفيذ الأعمال، كما شهدت المبادرة مشاركة إدارية من مصطفى شرف، رئيس الوحدة المحلية ببردين، في إطار التعاون مع الجهود التي يقوم بها أبناء القرية.
المبادرة تتجاوز حدود النظافة
ولم يتوقف التحرك عند الجوانب الخدمية، إذ امتدت الفكرة إلى الجانب الاجتماعي، بعدما خرج ملتقى أبناء بردين بتوصية لتشكيل لجنة تعمل على فض المنازعات وإصلاح ذات البين بين الأهالي.
وبدأت اللجنة بالفعل في ممارسة دورها، لتضيف للمبادرة مسارًا آخر لا يتعلق بالشوارع أو المداخل، وإنما بالعلاقات بين أبناء المجتمع نفسه، في محاولة للحفاظ على التماسك وتقريب وجهات النظر عند حدوث الخلافات.
وهكذا تحولت المبادرة تدريجيًا من فكرة تهدف إلى تحسين بعض الخدمات إلى محاولة أوسع لبناء حالة من المشاركة المجتمعية، يكون فيها لكل شخص مساحة للمساهمة وفق ما يستطيع.
الطريق إلى المستقبل يبدأ من القرية
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل الحديث عن مستقبل بردين وإمكانية انتقالها إلى مرحلة جديدة مع ما يتردد حول إمكانية تحولها إلى مدينة خلال الفترة المقبلة.

فالتطوير لا يرتبط بالمشروعات الكبرى وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى مجتمع قادر على الحفاظ على المكان والمشاركة في تحسينه، وهو ما تحاول المبادرة أن تضعه كفكرة أساسية من خلال الجمع بين المطالبة بحقوق القرية والعمل على ما يمكن تنفيذه بإمكانات أبنائها.
ولا يدعي المشاركون أنهم قادرون على حل جميع الملفات؛ فمشروعات مثل السكة الحديد والغاز ومياه الشرب والري والمستشفى تحتاج إلى الجهات المعنية وإمكاناتها وقراراتها. لكن الرسالة التي تحاول التجربة تقديمها تبدو أكثر بساطة: أن انتظار الحلول لا يمنع الإنسان من أن يبدأ بما يستطيع فعله اليوم.
تجربة قابلة للاستمرار
من لم الشمل إلى الاجتماعات، ومن عرض المطالب إلى العمل في الشوارع، تحاول مجموعة من أبناء بردين صناعة نموذج مختلف للمشاركة، عنوانه أن خدمة المكان مسؤولية مشتركة وليست مهمة طرف واحد.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام هذه التجربة هو استمرار العمل وعدم تحول المبادرة إلى تحرك مؤقت، مع توسيع دائرة المشاركة والحفاظ على ما تم إنجازه.
فقد تكون زراعة نخلة أو إزالة كومة قمامة خطوة صغيرة في حساب المشروعات الكبرى، لكنها تحمل معنى أكبر عندما تتحول إلى بداية لثقافة تقول إن أبناء القرية ليسوا مجرد متلقين للخدمة، بل يمكنهم أيضًا أن يكونوا جزءًا من صناعة التغيير فيها.




