في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة المصرية عن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، يخرج إلى النور قرار بنقل تبعية مستشفى سوهاج التعليمي من هيئة المعاهد والمستشفيات التعليمية إلى جهة أخرى تابعة لوزارة الصحة، في خطوة تثير القلق والتساؤلات حول مصير الرعاية الصحية والتعليم الطبي في صعيد مصر.
مستشفى سوهاج التعليمي ليست مجرد منشأة علاجية، بل هي صرح طبي وتعليمي يمتد تاريخه لأكثر من خمسين عامًا، خدم خلالها ملايين المواطنين من محافظات الصعيد، وأصبح بعد خروج مستشفيات أسوان وفقط، المستشفى الوحيد التابع لهيئة المعاهد والمستشفيات التعليمية في الإقليم كله. وهو ما يمنحه خصوصية وأهمية لا يمكن تجاهلها أو التعامل معها بقرارات إدارية مفاجئة.
الخطورة الحقيقية في هذا القرار لا تكمن في تغيير التبعية فقط، بل في ما يترتب عليه من آثار تمس جوهر الخدمة الصحية.
فالمستشفى تضم نخبة من الأطباء والكوادر العلمية المدربة على أعلى مستوى، وهي كوادر تابعة للهيئة التعليمية، ونقل المستشفى قد يؤدي إلى فقدان هذه الكفاءات أو تفريغها من مضمونها العلمي، وهو ما يمثل خسارة فادحة لمحافظة سوهاج و للصعيد بأكمله.
كما أن المستشفى تمتلك أجهزة وإمكانات طبية متطورة، وقد نجحت خلال السنوات الأخيرة في القضاء على قوائم الانتظار وتقديم خدمات طبية متقدمة تعمل بكامل طاقتها. أي مساس بهذا الكيان يهدد بعودة معاناة المرضى، وإهدار استثمارات ضخمة أنفقتها الدولة على تطوير المنظومة الصحية.
من الناحية الدستورية، فإن ما يحدث يفتح بابا خطيرا للتمييز الجغرافي في تقديم الخدمات الصحية. فالدستور المصري يكفل الحق في الصحة ويلزم الدولة بتحقيق العدالة في توزيع الخدمات دون تفرقة بين المواطنين.
فكيف يحرم الصعيد من خدمات هيئة المستشفيات التعليمية، بينما تستمر هذه الخدمات في محافظات أخرى؟ وأين مبدأ المساواة الذي نص عليه الدستور؟
ولا يقل البعد التعليمي خطورة عن البعد العلاجي. مستشفى سوهاج التعليمي معتمدة كمركز لتدريب أطباء الزمالة، ومرتبطة و بروتوكولات تعاون مع جامعات خاصة لتدريب طلاب كليات الطب والعلاج الطبيعي، في وقت تؤكد فيه الدولة دعمها للتعليم الطبي وبناء الكوادر. فكيف يستقيم هذا التوجه مع قرار يهدد منظومة تدريب قائمة ومعتمدة؟
إن قضية مستشفى سوهاج التعليمي ليست أزمة أطباء أو عاملين فقط، بل قضية مواطن وحق عام. هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بالعدالة الصحية والتنمية المتوازنة بين الأقاليم. والمطلوب اليوم ليس فرض قرارات فوقية، بل التراجع عنها وفتح حوار مجتمعي حقيقي، قائم على دراسات علمية واضحة، يضع مصلحة المريض وحق المواطن فوق أي اعتبارات أخرى.
مستشفى سوهاج التعليمي ليست عبئا على الدولة، بل أحد أعمدتها في خدمة الإنسان المصري، وأي قرار يمس هذا الصرح دون رؤية شاملة، هو خطوة للخلف في معركة طويلة من أجل العدالة الصحية في صعيد مصر.