بسملة الجمل
لم تعد معركة الرحيل من الأندية تُحسم دائمًا على طاولة المفاوضات، بعدما ظهرت ورقة أكثر خطورة يستخدمها بعض اللاعبين عندما تتعقد الصفقة: الغياب، ثم التصعيد، ثم انتظار اللحظة التي يصبح فيها استمرار الأزمة أكثر كلفة من الموافقة على البيع.
وما حدث مع وسام أبو علي داخل الأهلي في صيف 2025، وما يعيشه الزمالك مع خوان بيزيرا حاليًا، يقدمان نموذجين لسيناريو واحد، لكن بنهايتين لم تتحددا بالقدر نفسه حتى الآن، لاعب يريد الرحيل، ونادٍ يتمسك بحقه في اللاعب، وبينهما عقد ولوائح وعقوبات وضغوط خارجية تتحول تدريجيًا إلى معركة إرادات.
عندما يصبح الغياب سلاحًا
وتبدأ الحكاية غالبًا من نقطة تبدو بسيطة: لاعب لا يعود إلى التدريبات أو يتخلف عن معسكر الإعداد، ثم تتسع دائرة الأزمة مع مرور الوقت، وفي هذه المرحلة، يجد النادي نفسه أمام خيارين صعبين؛ إما التمسك بالعقد وتحمل تبعات الأزمة، أو الدخول في مفاوضات قد تنتهي بالتنازل عن جزء من مطالبه لإنهاء الصراع.
وتسمح اللوائح المنظمة لأوضاع وانتقالات اللاعبين بالتعامل مع المخالفات التعاقدية وفق ضوابط محددة، بينما يستطيع النادي توقيع العقوبات التي تنص عليها لوائحه الداخلية والعقد المبرم مع اللاعب، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول العقاب نفسه إلى جزء من معركة الضغط.
ولم تكن هذه الطريقة جديدة على كرة القدم العالمية، فقد سبق أن استخدم جاريث بيل أسلوب الانقطاع عن تدريبات توتنهام للضغط من أجل الانتقال إلى ريال مدريد، بينما حاول هاري كين الضغط بالطريقة نفسها للرحيل عن توتنهام إلى مانشستر سيتي، دون أن تنتهي محاولته بالنتيجة التي أرادها.
وسام أبو علي.. كيف بدأ الضغط؟
ودخل وسام أبو علي أزمته مع النادي الأهلي بعد نهاية مشاركته مع الفريق في كأس العالم للأندية بالولايات المتحدة الأمريكية، بعدما تمسك اللاعب بالرحيل إلى كولومبوس كرو الأمريكي رغم محاولات النادي إقناعه بالبقاء.
وكان الأحمر قد أعلن في 30 يونيو 2025 تلقيه عروضًا خارجية لوسام، لكنه أكد تمسكه باللاعب بسبب حاجته الفنية إلى خدماته، ومع وصول عرض كولومبوس كرو، أصبح موقف وسام أكثر وضوحًا: الرحيل لم يعد مجرد رغبة، وإنما تحول إلى هدف يسعى إلى تحقيقه.

وسجل الأهلي رسميًا عدة مخالفات ارتكبها اللاعب، بينها عدم إجراء القياسات البدنية في مواعيدها، وعدم الخضوع للأشعة والفحوصات الطبية المطلوبة، إلى جانب الغياب عن التدريبات والجلسات العلاجية دون إذن.
الأزمة تخرج من الملعب
ولم تتوقف المواجهة عند حدود اللاعب والنادي، بعدما دخلت أطراف أخرى على خط الأزمة، وأدلى الوكيل المكلف من جانب كولومبوس كرو بتصريحات قوية ضد مسؤولي الأهلي، في محاولة للضغط من أجل إتمام الصفقة بالمقابل الذي يراه النادي الأمريكي مناسبًا.
وتزامن ذلك مع بيان أصدره الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم هاجم خلاله المارد الأحمر، لتتحول قضية لاعب يرغب في الرحيل إلى أزمة أوسع تتداخل فيها مواقف النادي والوكيل والاتحاد، بينما بقي الأهلي متمسكًا بموقفه.
وقرر محمد يوسف، المدير الرياضي للأهلي، استبعاد وسام من معسكر الفريق في تونس، الذي أقيم خلال الفترة من 18 إلى 26 يوليو 2025، بعد توثيق المخالفات المتعلقة بعدم التزامه بالبرنامج التدريبي والطبي.
النهاية التي حسمت المعركة
وبدت الأزمة وقتها وكأنها وصلت إلى طريق مسدود، لكن النهاية جاءت من الباب الذي أراده اللاعب، ففي 26 يوليو 2025 أعلن الأهلي إتمام انتقال وسام أبو علي رسميًا إلى كولومبوس كرو بعد مفاوضات مكثفة، لتتحول معركة الضغط إلى صفقة انتقال فعلية.
وأكد وسام بعد ذلك أن ما قام به لم يكن صحيحًا، وقدم اعتذاره إلى محمود الخطيب ومجلس الإدارة واللاعبين والجماهير، موضحًا أنه كان تحت ضغط كبير وأن الأمور خرجت عن سيطرته، كما طالب اللاعبين بعدم تكرار ما فعله.
وأعلن كولومبوس كرو إتمام الصفقة نهائيًا بعقد يمتد حتى نهاية موسم 2027، مع وجود خيار للتمديد حتى 2028، لتنتهي واحدة من أكثر أزمات المارد الأحمر إثارة في ذلك الصيف.
بيزيرا يعيد فتح الملف من جديد
وبعد عام تقريبًا، عاد السيناريو نفسه إلى الواجهة، لكن هذه المرة من بوابة نادي الزمالك وخوان بيزيرا.
وغادر اللاعب إلى البرازيل عقب نهاية موسم 2025-2026، لكنه لم يعد إلى القاهرة مع بداية فترة الإعداد، ولم ينتظم في تدريبات الزمالك أو معسكر الفريق، لتبدأ أزمة جديدة عنوانها هذه المرة: لاعب يريد الرحيل ونادٍ يرفض التفريط فيه بالشروط المفروضة عليه.
ثم خرج بيزيرا ببيان رسمي أعلن خلاله وجود عرض وصفه بالمغري والأكبر في تاريخ الزمالك، مطالبًا بالموافقة على رحيله، دون أن يكشف في البداية هوية النادي الراغب في ضمه.
العرض يصل.. والزمالك يرفع السقف
وصل عرض شباب الأهلي إلى الفارس الأبيض رسميًا في 28 يوليو 2026، لكن النادي لم يوافق عليه، بل قدم شروطه الخاصة لإتمام الصفقة.

وطالب الزمالك بالحصول على 6 ملايين دولار صافيًا، إضافة إلى مليون دولار كمكافآت، مع الاحتفاظ بنسبة 20% من إعادة بيع اللاعب، فضلًا عن حق الأولوية في استعادته إذا عاد إلى مصر.
وأكد النادي أن العرض المضاد لا يمثل اتفاقًا نهائيًا، وأن إتمام الانتقال يتطلب توقيع اتفاقية رسمية بين الزمالك وشباب الأهلي واللاعب.
وفي الوقت الذي كانت فيه الأرقام تناقش على الورق، ظل بيزيرا خارج القاهرة، واستمر غيابه عن تدريبات الأبيض، وهو ما وصفه النادي رسميًا بالانقطاع عن التدريبات.
بيان بيزيرا يشعل المواجهة
وبلغت الأزمة مرحلة أكثر حدة في 6 أغسطس 2026، عندما نشر بيزيرا بيانًا عبر حسابه الرسمي، تحدث خلاله عن وعود قال إن الزمالك قدمها له ولوالده بالموافقة على رحيله إذا وصل عرض بالقيمة المحددة.
وأكد اللاعب أن العرض وصل بالفعل، لكنه اتهم النادي بعدم الالتزام بما وصفه بالوعد، كما تحدث عن مواقف اعتبرها ظلمًا بحقه، واستند إلى الوضع المالي للزمالك، معتبرًا أن المقابل المنتظر من الصفقة يمكن أن يساعد النادي واللاعبين.
ولم يترك الفارس الأبيض الباب مفتوحًا أمام هذا الطرح، فأعلن إغلاق ملف بيع اللاعب، وتمسك بحقه في رفض أي عرض لا يتوافق مع شروطه، خاصة مع استمرار غياب بيزيرا عن التدريبات.
وبالتوازي، اتجه النادي إلى تطبيق عقوبات مالية متزايدة على اللاعب عن كل يوم غياب، بينما ارتبطت الأزمة بأنباء غير رسمية عن اشتراط عودته إلى القاهرة والاعتذار قبل مناقشة مستقبله.
الزمالك يحسم موقفه.. وبيزيرا لا يتراجع
وجاء بيان الأبيض في 19 أغسطس ليضع الموقف الرسمي بصورة أكثر وضوحًا؛ إذ أكد النادي عدم الموافقة على بيع بيزيرا، واستمرار عقده لمدة ثلاثة مواسم، وعدم أحقيته في الرحيل دون موافقة الزمالك.
وطالب النادي اللاعب بالعودة والانتظام في التدريبات، مؤكدًا اتخاذ الإجراءات القانونية التي تحفظ حقوقه، في وقت ظل فيه اللاعب متمسكًا بفكرة الانتقال إلى شباب الأهلي.
لكن المشهد لم ينتهِ عند هذه النقطة، لأن بيزيرا عاد في 13 سبتمبر ببيان اعتذار جديد، قدم خلاله اعتذاره إلى مجلس إدارة الزمالك والجهاز الفني واللاعبين والجماهير، وأعلن استعداده لقبول أي عقوبات تأديبية يقررها النادي.
اعتذار.. ثم تمسك بالرحيل
كذلك حمل بيان بيزيرا الأخير مفارقة لافتة؛ فاللاعب اعتذر للزمالك، لكنه لم يتراجع عن رغبته الأساسية.
واعترف بيزيرا بأن النادي متمسك باستمراره، لكنه أكد في الوقت نفسه أن العرض يمثل حلمًا كبيرًا له ولعائلته، معلنًا موافقته على أن يتم انتقاله وفق الشروط التي يحددها الزمالك.
وهنا تتوقف المقارنة مع وسام أبو علي عند نقطة شديدة الحساسية؛ فوسام انتهت أزمته بانتقال اللاعب إلى النادي الذي كان يريد الذهاب إليه، بينما لا يزال بيزيرا ينتظر نهاية مختلفة بعدما تحولت معركته من غياب عن التدريبات إلى بيانات متبادلة ثم اعتذار، دون أن يحصل حتى الآن على الموافقة التي يبحث عنها.
من يملك الورقة الأخيرة؟
وتكشف أزمتا وسام وبيزيرا أن معركة الانتقال لم تعد مجرد مفاوضات بين ناديين، خصوصًا عندما يقرر اللاعب أن يجعل موقفه الشخصي جزءًا من الضغط على ناديه.
لكن الفارق الأهم أن الغياب قد ينجح في دفع النادي إلى التفاوض، وقد يؤدي في المقابل إلى عقوبات وتصعيد قانوني وتأديبي إذا لم يصل الطرفان إلى تسوية.
ويبقى السؤال الأصعب داخل هذه القصة: هل أصبح الامتناع عن التدريبات طريقًا مختصرًا إلى الرحيل، أم أن نجاح بعض الحالات في النهاية جعل هذا الأسلوب يبدو أكثر فاعلية مما ينبغي؟
كانت تجربة وسام أبو علي إجابة واضحة في الأهلي، أما خوان بيزيرا فما زال يكتب الفصل الأخير من قصته مع الزمالك، بعدما انتقلت الكرة من قدميه إلى ملعب الإدارة، وبات القرار النهائي متعلقًا بشروط النادي أكثر من رغبة اللاعب وحدها.





