ابتهال خيري
يمتلك الصحفيون شريعة دائمة لا تجددها صناديق الاقتراع ،بأقلامهم يُقدرون قيمة الكلمة ويعرفون تأثيرها الكبير على الناس، يجدون فى الكتابة ملاذًا ومأوى يعبرون من خلاله عن أحلامهم وآمالهم وأوجاعهم فى ذات الوقت، وصفها ابناءُها بأنها «مهنة البحث عن المتاعب»، بأقلامهم يمتلكون سلاح “الكلمة”، ومهمتهم هي “الأصعب”، أوضاعهم فى مهنة «من لا مهنة له» أصبحت رَثًةَ، وعائدها المادي «لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ » .
فصحفيون محترفون، موضوعاتهم وأسماؤهم ملء السمع والبصر، قرَّروا -لأسباب مختلفة- اقتحام عالم الأعمال، تحديدًا مجال الأمن الغذائي، وفتح مشروعات أو المشاركة فيها، غير مبالين بمَنْ يرونها خطوة للوراء، أو انتقاصًا من سطوة الصحافة وهيبتها.
هشام يحيى
صحفي الفن العتيد وزميل الفنانين والمشاهير، صاحب رواية “قبض الريح” -التي كتب فيها شبه سيرة ذاتية فأرَّخ، دون أن يدري، للمجتمع المصري بأكمله- فاجأ متابعيه على فيس بوك بإعلانه مشروعه الجديد: توزيع “الجبنة الملوي”. والحكاية بدأت بهذه الكلمات: “نسيت أقولكم إني اليومين دول باعتبار إني بطَّلت شغلانة الصحافة واعتزلتها، ولازم أكل عيش، وأدبَّر مصاريف حياتي اليومية، بقيت بوزع جبنة، جبنة بيضا نوع فاخر، والنبي (بلاش الدهشة) اللي شايفها على وجوهكم دي! مش أحسن من إني أعيش على السلف، أو أتسول شغل من عيال (بتلاتة تعريفة)”.
والجبنة، كما يقول يحيي، لم تكن مصدرًا للمال فقط، وإنما كذلك باب للحواديت، إذا أتاحتْ له مساحات جديدة للتواصل الإنساني والتعرف إلى شخصيات جديدة أَثْرَوا حكاياته ودفعوه لتدوين قصصهم عبر صفحته التي يديرها على فيس بوك.
يقول: “في هذه الأيام، وأنا أستمتع بحواراتي مع “ناس من مصر”، اكتسبتُ قاعدة قرّاء جديدة، لن أجدها في صحف ومجلات هذه الأيام التي تعاني من التوزيع المتدهور بشكل مخزٍ يجلب العار لهذه المهنة، أو في صحف ومجلات عريقة توزيعها في الماضي كان يتجاوز الصحف العالمية”.
ويؤكد يحيى: “وجدت التشجيع والتحفيز على الاستمرار من أصدقائي المقربين وأقاربي وكل المحيطين بي، لدرجة أن شخصيات أُقدِّرها جدًا وأحترمها تواصلتْ معي، لتعرض عليّ تمويل مشروعي ماديًا، وأصدقاء آخرين قاموا بالدعاية عن طريق صفحاتهم على فيس بوك ومختلف مواقع التواصل الاجتماعي”.
ضياء مصطفى
الصحافة لم تعد تكفي.. وضروري تشوف شغل تاني جنبها!
ما زال للصحفي احترامه.. وملاحقة “التريند” غيَّرت النظرةَ إلينا
الصحافة لم تعد ضمير الأمة.. ولولا أني أحبها لما صبرت عليها!
ضياء صحفي شاب، عمل في عديد من الصحف والمواقع الكبيرة والصغيرة، من مدقق لغوي إلى محرر ديسك إلى صحفي فن، لكن ذلك لم يكن كافيًا ليوفِّي نفقاته، فقرَّر ممارسة نشاط إضافي بمشاركة مجموعة من الأصدقاء، فافتتح مطعمًا صغيرًا في المهندسين للأكل البيتي، لكن في هذه المرة لم يكن مجال الأكل اختيارًا، إنما لأن الصديق الذي شاركه “يفهم في مثل هذه الأمور”.
يقول ضياء: “استمر المشروع شهرين أو تلاتة، كان توزيع فقط، وكان ناجح وواعد، واعتمدنا في التسويق على صفحة فيس بوك اللي جمعت ٤ آلاف شخص في أقل من شهر”
وأكمل: “للأسف لم تكن النهاية سعيدة بسبب اختلاف وجهات النظر في الإدارة ومشكلات أخرى، اضطررنا للتوقف، لكن خرجت بدروس كثيرة مهمة ربما لم أكن لأتعلمها إلا بهذه الطريقة”.
أما لماذا لم يستثمر في مجال قريب من مهنته، فلأنه “صعب الاستثمار في الصحافة أو الإعلام، تكاليف كتير ومفيش ربح، والهدف من الشغل الإضافي في النهاية هو الربح”. ولو كان مشروعه قد نجح فهل كان طموحه أن يتفرغ له؟ يقول ضياء: “لا، ما كنتش هسيب الصحافة بشكل كُلّي، بس كنت ممكن أكتفي بكتابة حرة، لكن مستحيل أسيب الصحافة”.
وأكَّد ضياء أنه حظي بالدعم من أصدقائه منذ أول لحظة، فالجميع يتفهم الظروف ويحترمون فكرة السعي عمومًا، ولفت إلى أن صحفيين زملاء كانوا يرقبون التجربة عن كثب، ويتابعون معه تطورها، حتى إذا أفلحت، كرَّروها، فأغلب الناس يعانون ويريدون فتح نافذة دخل جديدة، ثم أضاف بحسم: “الصحافة من الشغلانات اللي بقى ضروري تشوف شغل تاني جنبها”.
ورفض ضياء فكرة أن الصحفي يجب ألا يعمل في مهنة أخرى، حفاظًا على هيبته، وفسَّر: “أي شغل في النهاية محاولة لتحقيق حياة أفضل، وفي الحقيقة أنا لا أنظر للصحافة على أنها ضمير الأمة، الصحافة بشتغلها لمجرد إني بحبّها، وبستمتع بده، وغير كده ما كنتش صبرت عليها ودوَّرت على شغلانة تانية فورًا”.
واستطرد:” “لسّه فيه نظرة احترام للصحفي، وفرحة بين العائلات والأصدقاء لما حد منهم يكون صحفي، الجري ورا التريند يمكن غيَّر نظرة البعض لينا، وإن كان همّ اللي بيتفاعلوا مع التريند ويخّلونا نجري وراه، لكن الأزمة الأكبر هي نظرة المصادر لينا بسبب عددنا الكبير حاليًا، وعدم إدراك كثيرين لطبيعة الشغلانة لأنه لم يعد هناك تدريب أو تعليم”.
ياسمين سعد
أشعر أنني لم أُقدَّر في مهنتي.. والصحفي إنسان يريد أن يعيش!
صحفي الكشكول يعمل ١٢ ساعة بالسُخرة بأقل راتب ممكن!
وفِّروا حياة كريمة للصحفي ثم انتقدوه بعد ذلك!
الجري وراء “الترافيك” أعطى انطباعًا بأن الصحفيين يطاردون “الأخبار الصفراء” فقط!
الصحفية ياسمين سعد، فصاحبة تجربة مختلفة، إذا اختارت العمل في مجال المطاعم، لأنها تحب الأكل بالفعل وهوايتها الطبخ، وتعتبره شغفها الثاني بعد الصحافة، لذا لم تتردد عندما أخذت قرار العمل الإضافي لتحقيق الاستقرار المادي، أن يكون مشروعها: مطعم “بنت سعد”.
لم تكن رحلة الصحافة التي امتدت ١٢ عامًا سهلة على ياسمين التي تخرجت في كلية الإعلام بتقدير جيد جدًا، وعملت في صحف كبيرة مثل المصري اليوم والتحرير، وقدَّمت موضوعات لا يزال القراء يذكرونها، مثل قصتها عن الناجي الوحيد من سفينة تيتانيك التي جعلت اسمها يُوضع على الموقع الرسمي للسفينة، فهل تضحّي بكل هذا من أجل العمل الحر؟
ترفض ياسمين مجرد الفكرة، وتؤكد أن مشروعها لا يعني تخلّيها عن الصحافة أبدًا، لقد جرَّبت ذلك بالفعل عدة مرات، وكانت في كل مرة ترجع إليها، ما جعلها توقن أنها قدرها.
وعكس التجربتين السابقتين، قالت ياسمين إن عددًا محدودًا من أسرتها هو من دعمها في البداية، في حين كانت الأغلبية “خائفة من الخسارة، ومن تدني مستواي، باعتبار أن العمل في مجال غير الصحافة خطوة للوراء، ولذلك انتظرتُ فترة حتى نسوا هذه الفكرة، وذهبت وحدي لمعاينة المحال، وأجَّرت واحدًا وجهّزته بنفسي مع شركة خاصة بتجهيز المطاعم، حتى انتهيت ثم أبلغتهم، وهم حتى الآن خائفون!”.
وأكّدت ياسمين كلام ضياء في ما يخص ما وصلت إليه المهنة: “أعتقد أنها للأسف أصبحت ضرورة لمعظم الصحفيين أن يمارسوا عملًا آخر إلى جانب الصحافة، لأن مرتَباتها غير مجزية، كما أنها غير آمنة، وطوال الوقت هناك “تسريحات” دون سابق إنذار”.
لكن إذا كانت هذه هي الحال، فلماذا لا يزال هناك إقبال على كليات الإعلام؟ توضّح ياسمين: “لأن الطلبة ينبهرون بما يرونه علي شاشات التلفاز، ويظنون أنهم سيحصلون علي هذا البريق والوهج، وبعضهم يظنون أنهم سينقذون العالم يتحقيقاتهم الصحفية علي غرار فيلم spot light، لكن هذا لا يحدث على أرض الواقع، مع ذلك، فإذا عاد بي الزمن فسأدخل كلية الإعلام، فالصحفيون يولدون وهم معجونون بحبها، إنها شغف لا ينتهي”.
واكملت ياسمين: “لا يسعني إلا الشعور بأنني لم أقدَّر في مهنتي، فقلة الوظائف الصحفية تخلق إحباطًا كبيرًا، ولكني أصبحت الآن صاحبة مشروع، أتمنى أن يصبح سلسلة من المطاعم، وسعيدة به للغاية”.
قالت: “لا أستطيع أن أنكر أن هناك مؤسسات تهتم بصحفييها، المؤسسات الكبيرة فقط، أما البقية فيعملون بنظام صحفي الكشكول الذي يعمل ١٢ ساعة بالسخرة بأقل راتب ممكن، غير الدخلاء على المهنة التي لم تعد قاصرة على خريجي الإعلام، والشللية التي تسيطر على الموقف، فالصحفي لا يشعر باحترامه من مؤسسته، ولا يحصل علي راتب جيد، كما أن التارجت المطلوب منه يجبره على الجري وراء المصادر وتعظيمهم أكثر من اللازم، فكيف سيحترم الناس الصحفي وتكون له هيبته في ظل هذه الاوضاع؟”.
بالصحافة والعمل الحر، يحاول الصحفيون الثبات في أماكنهم والالتزام بالدفاع عن القضايا التي يُؤمنون بها، دون أن يسمحوا للظروف الصعبة أن تثنيهم عن عزمهم، إنها ليست مهنة سهلة وهم يعرفون ذلك منذ أول يوم، لكنه الحب والإخلاص لصاحبة الجلالة والشغف الحقيقي بما يفعلون وثقتهم في وجود قارئ ما، في مكان ما، ينتظر ما يكتبونه من القلب كي يزداد وعيًا ويتغير يومًا للأفضل.