تقرير – روفيدا يوسف
قد يأتي في ذهن الكثير من الناس سؤال محير، ما سرّ يوم 30 أغسطس في القليوبية، ولماذا اختارته المحافظة عيدًا قوميًا لها، هل هو مجرد رقم على ورق، أم أنه يحمل في طياته قصة تاريخية تستحق أن تُروى، هل يرتبط بحدث غير وجه المحافظة، أم بإنجاز غيّر مسار الحياة في دلتا النيل.
وهل يمكن أن يكون هذا التاريخ شاهدًا على لحظة، صنعت هوية القليوبية وأعطتها خصوصية، بين سائر محافظات مصر، أسئلة تثير الفضول وتفتح الطريق، لاكتشاف الحكاية الكاملة، خلف يوم تحوّل إلى رمز واحتفال سنوي.
قد تتغير هوية محافظة كاملة بفضل لحظة واحدة، أو مشروع عظيم، أو قرار أحدث أثرًا لا يُمحى في حياة أهلها، أحيانًا لا يكون السر في الأشخاص ولا في المعارك، بل في حجر وُضع في مكانه الصحيح، فصار شاهدًا على قصة امتزج فيها التاريخ بالجغرافيا، والزراعة بالصناعة، والنيل بالإنسان، ومن بين صفحات التاريخ، برز يوم 30 أغسطس كعلامة فارقة، لم يأتِ صدفة، بل كان بداية لفصل جديد، ما زال أثره ممتدًا حتى اليوم.
تُعد القناطر الخيرية من أبرز نظم الري في العالم خلال القرن التاسع عشر، حيث تتحكم في مياه النيل؛ لتوفير الري لملايين الأفدنة في دلتا مصر، بدأ التخطيط للمشروع في عهد محمد علي باشا، ثم تم التنفيذ خلال حكم الخديوي سعيد باشا، قبل أن يفتتح رسميًا عام 1868 في عهد الخديوي إسماعيل.
وقد شكّل هذا المشروع نقلة نوعية في الزراعة المصرية، حيث ساعد على تنظيم مياه النيل وإيصالها لأبعد الأراضي الزراعية، في الدلتا بدلًا من الاعتماد على الفيضان الموسمي، كما أصبح رمزًا للتقدم الهندسي، والمائي في مصر.
من أبرز إنجازات القناطر الخيرية شق الرياحات الثلاثة “الرياح المنوفي، والرياح التوفيقي، والرياح البحيري” هذه المجاري المائية لم تكن مجرد قنوات للري، بل تحولت إلى شرايين حياة أنعشت الدلتا بالكامل، حيث ساعدت على توزيع المياه بدقة وعدالة بين الأراضي الزراعية.
كما أمنت وصول المياه إلى المناطق البعيدة، مما زاد الرقعة الزراعية، وضمن استقرار حياة آلاف الأسر الفلاحية، بفضل هذه الرياحات، لم تعد القليوبية مجرد محافظة عابرة للنيل، بل أصبحت نقطة انطلاق لنهضة زراعية، امتدت إلى ربوع الوجه البحري.
من ولاية قديمة إلى محافظة عصرية.. رحلة تطور القليوبية عبر الزمن
محافظة القليوبية لها تاريخ طويل في التطور الإداري والسياسي، حيث تأسست ولاية القليوبية عام 1527، ثم تحولت إلى مأمورية عام 1833، وفي عام 1960 أصبحت محافظة مكتملة العهد الإداري، وعاصمتها مدينة بنها، منذ ذلك الوقت، ارتبطت المحافظة بعدة مشاريع تنموية ضخمة، مثل “شبرا الخيمة الصناعية، وقناطر الخيرية”، والتي أعطت للمحافظة هويتها المميزة كرمز للزراعة والصناعة معًا.
شعار القليوبية.. رموز تحكي حكاية الزراعة والصناعة
يعكس شعار محافظة القليوبية الأنشطة الأساسية التي تتميز بها المحافظة: “السنبلتان” ترمز إلى الإنتاج الزراعي من محاصيل حقلية وخضر وفاكهة، “القناطر” تمثل نظام الري، الذي يتحكم في مياه النيل، ويضمن وصولها إلى الأراضي الزراعية، “الترس” يدل على النشاط الصناعي، خصوصًا في مدينة شبرا الخيمة، التي تعتبر مركزًا صناعيًا رئيسيًا.
اختيار يوم 30 أغسطس عيدًا قوميًّا للقليوبية ليس عشوائيًا، فهو يرمز إلى افتتاح القناطر الخيرية، وإطلاق مرحلة جديدة من التحكم في مياه النيل، ما منح المحافظة دورًا استراتيجيًا في الزراعة، والاقتصاد المصري، ومنذ ذلك الحين، أصبح اليوم مناسبة للاحتفالات الرسمية، وافتتاح المشروعات التنموية، وتجديد ذكرى الإنجاز التاريخي، الذي شكل فارقًا حقيقيًا في حياة سكان الدلتا.
رغم مرور أكثر من 155 عامًا على إنشائها، ما زالت القناطر الخيرية تؤدي دورها الحيوي، في تنظيم مياه النيل لري الدلتا، كما أصبحت منطقة سياحية يقصدها الزوار للاستمتاع بالمناظر الطبيعية، على ضفاف النيل، ويظل هذا الإنجاز رمزًا للتقدم الهندسي، ولعلاقة الإنسان المصري بالنيل عبر التاريخ، مما يجعل يوم 30 أغسطس مناسبة قومية، تحتفل بها القليوبية سنويًا.
في النهاية، يظل يوم 30 أغسطس أكثر من مجرد تاريخ على ورق، إنه شاهد على عبقرية إنسانية، وحكاية محافظة صاغت هويتها من ضفاف النيل، لتكون قلبًا نابضًا بالزراعة والصناعة معًا، إنه يوم يعيد التذكير دومًا بأن الماضي ليس مجرد ذكرى، بل هو أساس الحاضر وجسر المستقبل، ولهذا فإن القليوبية حين تحتفل بعيدها القومي، فإنها لا تحتفل بحدث عابر، بل تُحيي قصة ولادة دور ريادي، ما زال يمد دلتا النيل بالحياة حتى يومنا هذا.