تحقيق – بسملة الجمل
تتأرجح دول الخليج بين قلق وخوف، حيث ينعكس كل خبر عن تصعيد جديد بين الولايات المتحدة وإيران فورًا على الشارع والأسواق، ويشعر المواطنون بثقل الصراع كما لو أن الحرب بدأت فعليًا، رغم أنها تبقى على الورق وأمام كاميرات وسائل الإعلام.
وتراقب الحكومات الخليجية عن كثب كل خطوة، وتحسب كل كلمة وتصريح، وتضع استراتيجيات لحماية مصالحها دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة، فالصراع لا يترك أي مساحة للهدوء؛ فكل تحرك إيراني يقابل برد دبلوماسي أو عسكري أمريكي مدروس.
كما تتبدل موازين القوة في المنطقة بسرعة، وكل تصعيد بين الطرفين يضغط على الاقتصاد والأسواق المالية، حيث تتقلب أسعار النفط، وتتأثر الاستثمارات، وتشعر الشركات الصغيرة بأثر غير مباشر يصل إلى حياة الناس اليومية.
وتختبر الشعوب الخليجية صراعًا ليس لها فيه دور مباشر، لكنها تدفع الثمن، الخوف من التداعيات الأمنية، والمراقبة الإعلامية المستمرة، يجعل المواطن يعي أن الساحة الخليجية أصبحت جزءًا من لعبة كبرى، تلعب فيها القوى العظمى بعيدًا عن أعينهم.
وتستعد دول الخليج دائمًا لأسوأ السيناريوهات، من خلال تحالفات استراتيجية، وتعزيز الدفاعات، ومحاولات الوساطة، لكن الواقع يثبت أن أي حركة صغيرة بين إيران وأمريكا قد تشعل سلسلة من الأحداث تؤثر على المنطقة كلها.
السيد الجمل يوضح خطوات إيران وردود الفعل الإسرائيلية في الصراع مع الولايات المتحدة
أكد الأستاذ الدكتور السيد الجمل المحلل السياسي ووكيل وزارة الإعلام الأسبق، أن الأطماع الأمريكية ليست حديثة الشرق الأوسط، ومن هنا تجلت الأطماع بصورة واضحة في سعي أمريكا إلى استحواذ على مقدرات وثروات منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة البترول.

الأستاذ الدكتور السيد الجمل المحلل السياسي ووكيل وزارة الإعلام الأسبق
وأوضح “الجمل” أنه في الوقت نفسه بدأت في العمل من خلال التنسيق مع إسرائيل في الدخول في تحديد أهداف جديدة للقضاء عليها حتى يسهل عليهما الأمر على إسرائيل وأمريكا في تحقيق أهدافهم في بسط النفوذ على مصادر الطاقة، فكان هذا الهدف الرئيسي هو إيران بحجة أو بزريعة القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وهذا هو الهدف المعلن بينما هناك اهداف غير معلنة لم يتم الإفصاح عنها، إلا فيما بعد وفي مقدمتها البترول.
وأشار المحلل السياسي إلى أن من هنا جاءت الضربة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، والتي كانت ضربة عسكرية مؤثرة تم فيها اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي، بالإضافة إلى أكثر من 60 شخصًا إيرانيًا أخرين من كبار القادة العسكريين والسياسيين، واعتقد الأمريكيون والإسرائيليون أنه بعد هذه الضربة سوف يتحقق الهدف بسرعة، ودون خسائر في الجانب الأمريكي والإسرائيلي.
كما أكد الدكتور السيد الجمل أن سرعان ما استفاقت إيران من هذه الصدمة القوية وإعادت ترتيب أمورها في الداخل، وبدأت في الرد بقوة من خلال منظومتها الصاروخية البالستية على إسرائيل، ومواضع تمركز القوات الأمريكية في القواعد الأمريكية العسكرية في الخليج والعراق وسوريا.
وأوضح المحلل السياسي أنه في الوقت نفسه بدأت إيران في التنسيق مع زروغها الموارية لها في المنطقة سواء حزب الله اللبناني أو الحشد الشعبي في العراق، حيث شكلا هذان العنصران جبهة مساندة وإسناد لإيران في هذه الحرب، فكانت هجمات الحشد الشعبي على مقر السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء في بغداد وعلى قاعدتين عسكريتين أمريكيين في العراق، كما أن حزب الله تولى عمليات القصف الصاروخي على شمال إسرائيل حتى تتفرغ إيران لتوجيه الضربات الصاروخية البالستية للعمق الإسرائيلي.
وأشار “الجمل” إلى أنه بالفعل تكبدت إسرائيل خسائر غير مسبوقة سواء في المنشئات والمعدات أو الأرواح، إضافة إلى الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تكددتها إسرائيل نتيجة الشلل التام الذي أصاب كل مظاهر الحياة في إسرائيل بعد أن عاش الإسرائيليون مع معظم الأوقات طوال مدة الحرب حتى الآن، في الملاجئ نتيجة القصف الصاروخي الإيراني.
أثر التوترات في المنطقة على الأمن القومي في دول الخليج
وأكد وكيل وزارة الإعلام الأسبق أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ألقت بظلالها السلبية على دول مجلس التعاون الخليجي الست، فهذه الدول تحتضن على أراضيها العديد من القواعد العسكرية الأمريكية، التي ادعى الأمريكيون أن هذه القواعد سوف تعمل على حماية هذه الدول.
وأوضح الدكتور السيد الجمل أنه باندلاع الحرب ثبت يقين عكس ذلك، حيث تبين أن هذه القواعد بما تحتويه من أسلحة ومعدات وعناصر بشرية كان الهدف منها توجيه ضربات عسكرية لإيران تأمينًا لإسرائيل، وهذا ما كشفته مجريات الحرب في المنطقة.
كما أشار المحلل السياسي إلى أن الرد الفعل الإيراني تمثل في توجيه ضرباتها الصاروخية المؤثرة على هذه القواعد في البلدان الخليجية العربية، تلك الدول التي لم يسبق لها أن خاضت معارك حربية تكتسب منها خبرات، وهذا ما انعكس على أمن دول الخليج العربي بأكمله.
كذلك أكد “الجمل” أن الأمن القومي لدول الخليج العربي الست أصبح مهددًا بدرجة كبيرة، كل هذا في الوقت الذي سعت فيه أمريكا للضغط على دول الخليج لكي تقوم بشن حربًا على إيران، وهذا ما كانت تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأوضح المحلل السياسي أنه بدأت تنكشف أبعاد المخطط الأمريكي الإسرائيلي لتوريط الدول العربية في حربٍ لم تبدأها الدول العربية، ولهذا كان التحرك المصري الفاعل من خلال الزيارات الخاطفة التي قام بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، لدول مجلس التعاون جميعها ولقائه بقيادات هذه الدول، وتقديم النصيحة لهم بعدم التورط فيما تخطط له الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما أشار الدكتور السيد الجمل أن العقلاء من قادة وشعوب الدول الخليجية أدركوا أبعاد المخطط الذي يهدف إلى توريط كل دول المنطقة لحساب إسرائيل، وكل ذلك حفاظًا على الأمن القومي لدول مجلس التعاون الخليجي، وثروات ومقدرات وقدرات هذه الدول.
مستقبل الخليج في ظل الصراع الإيراني الأمريكي
وأكدت التداعيات الأخيرة أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة لا يقتصر على أطرافه المباشرة، بل يمتد ليشكل ضغطًا مستمرًا على استقرار دول الخليج وأمنها القومي، ويجعل كل خطوة سياسية أو عسكرية لها تأثير إقليمي واسع.
وأوضحت التحليلات أن الموازين الاستراتيجية في المنطقة لم تعد ثابتة، وأن أي تصعيد جديد قد يعيد رسم حدود النفوذ ويعيد ترتيب الأولويات الأمنية والاقتصادية لدول الخليج، مما يجعل كل دولة مضطرة للتفكير بعقلية تحوطية تحمي مصالحها ومواطنيها.
ودعت الوقائع الأخيرة إلى إعادة النظر في دور القوى الكبرى وكيفية تأثيرها على المنطقة، وإلى أهمية السياسات المستقلة والدبلوماسية الذكية لدول الخليج، التي باتت أمام اختبار قدرة على الصمود أمام ضغوط خارجية وتهديدات غير مباشرة على الأمن القومي.
وتترك هذه الأحداث تساؤلات كبيرة حول المستقبل، كيف ستتعامل دول الخليج مع الصراع المحتدم، وهل ستنجح في الحفاظ على أمنها واستقرارها دون الانجرار إلى حروب مباشرة، ويتجدد الإجابات على هذه الأسئلة شكل المنطقة في السنوات القادمة، وتكشف حجم التأثير الحقيقي للصراع الأمريكي الإيراني على الشرق الأوسط كله.




