إنفراد – إيمان أشرف
تتصاعد حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط مع تجدد ملامح المواجهة السياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، في مشهد يعكس تعقّد المصالح وتشابك الملفات الإقليمية والدولية، وبينما تمضي «واشنطن» في إعادة صياغة أدوات الضغط بما يتماشى مع رؤيتها لموازين القوة، تتمسك «طهران» بمواقفها، وتعتبرها خطوطًا حمراء غير قابلة للتنازل.
تفتح هذه التطورات باب التساؤلات حول مستقبل الاستقرار الإقليمي، واحتمالات التصعيد أو التهدئة، في وقت تترقب فيه دول المنطقة ما ستسفر عنه التحركات المتسارعة، وسط مخاوف من انعكاسات مباشرة على الأمن والسياسة والاقتصاد، بما قد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد.

تصعيد محسوب وهدنة هشة.. كيف يرسم ترامب وإيران ملامح الشرق الأوسط 2026
قال الدكتور “إبراهيم جلال فضلون” أستاذ العلاقات الدولية، إن سياسة دونالد ترامب منذ عودته في 2025 اتسمت بالتحول من الضغط الاقتصادي إلى الجمع بين العقوبات والتصعيد العسكري المباشر ولكن بشكل مقيد، في محاولة لفرض معادلة جديدة على إيران دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
أوضح “إبراهيم جلال فضلون” أن الإدارة الأمريكية لم تكتف بسياسة “تصفير الصادرات النفطية”، بل وسعت نطاق العقوبات لتشمل أسطول الظل وشبكات “النفط مقابل الذهب” مطلع 2026، بالتوازي مع عمليات عسكرية نفذتها واشنطن وتل أبيب، خلال فبراير ومارس، استهدفت منشآت إيرانية، ما أدى إلى توتر واضح في الممرات المائية، خاصة في مضيق هرمز.
أشار “فضلون” إلى أن التوترات في المضيق رفعت تكاليف التأمين البحري بأكثر من 30% منذ بداية العام، إلى جانب تجميد أصول إيرانية تقدر بنحو 15 مليار دولار في بنوك آسيوية، نتيجة تشديد العقوبات الثانوية.
إيران بين ثبات الموقف النووي وتزايد الضغوط الاقتصادية
أكد أستاذ العلاقات الدولية أن طهران تتبنى استراتيجية “التصعيد المقابل”، حيث ترفض تقديم تنازلات تحت الضغط، وتصر على حقها في التخصيب الكامل، رافضة مقترح “صفر تخصيب”، الذي يطرحه “جي دي فانس”، معتبرة ذلك انتهاكًا لسيادتها.
لفت “إبراهيم جلال” إلى أن اعتماد إيران على الصين ساعدها على الصمود، إذ تتجه 91% من صادراتها النفطية إليها، بما يوفر دخلًا سنويًا يقارب 32.5 مليار دولار، رغم استمرار الضغوط الدولية، وفي الوقت نفسه، يعاني الداخل الإيراني من أزمة اقتصادية حادة، حيث بلغ التضخم 62.2% في فبراير 2026، بينما اقترب تضخم السلع الغذائية من 99%، ما يضع النظام أمام تحد داخلي متزايد.
بين التهدئة والتصعيد.. أستاذ العلاقات الدولية يكشف ملامح السيناريوهات المحتملة لأزمة طهران وواشنطن
رجح “فضلون” أن يلجأ ترامب إلى إبرام اتفاق مفاجئ، يتضمن وقف التخصيب المرتفع مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، خاصة مع وجود وساطات إقليمية تقودها عمان وباكستان، كما أشار إلى احتمال استمرار حالة «اللاحرب واللاسلم»، عبر ضربات غير مباشرة وتوترات بالوكالة، بما يؤدي إلى استنزاف اقتصادي إقليمي ممتد.
حذر أستاذ العلاقات الدولية من سيناريو التصعيد الكامل، في حال فشل مفاوضات مايو 2026، بما قد يستهدف البنية التحتية للطاقة في الخليج، ويدفع أسعار النفط لتجاوز 150 دولارًا للبرميل.
أوضح “فضلون” أن سياسة “أمريكا أولًا” أدت إلى تراجع ثقة الحلفاء، خاصة مع تكرار الانسحاب من التفاهمات الدولية، ما دفع دولًا مثل فرنسا وألمانيا إلى البحث عن استقلال استراتيجي، مضيفًا أن الاعتماد المفرط على العقوبات والقوة العسكرية، أضعف أدوات القوة الناعمة الأمريكية، وأثر على صورتها كقوة ضامنة للاستقرار.
إبراهيم فضلون: الصين تستفيد من انشغال واشنطن والشرق الأوسط يتجه نحو تعدد مراكز القوة
أشار “إبراهيم جلال” إلى أن بكين تستغل الانشغال الأمريكي في الشرق الأوسط؛ لتعزيز نفوذها وملء الفراغ الدبلوماسي، مشيرًا إلى وجود تباين داخل أوروبا بين رفض السياسات الإيرانية، والتحفظ على نهج التصعيد الأمريكي، موضحًا بدأ دول المنطقة في تبني سياسات توازن، عبر فتح قنوات مع قوى دولية متعددة، مثل الصين وروسيا، تحسبًا لتقلبات السياسة الأمريكية.
اختتم “إبراهيم فضلون” حديثه بأن الشرق الأوسط في 2026 لم يعد كما كان في السابق، إذ تتداخل فيه التوازنات الدولية، وتتصاعد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، في ظل تراجع الهيمنة التقليدية، وبروز نظام عالمي أكثر تعقيدًا وتعددًا في مراكز القوة.






