إنفراد – مريم ناصر
تتصاعد حالة من الجدل في ظل استمرار التوترات المرتبطة بالملف الإيراني، فيما يظل الموقف الأمريكي محل تفسير يتعلق بـ«درجة الحسم، أو الغموض في التصريحات، أوالقرارات الصادرة عن الإدارة الأمريكية»، ويبرز في هذا السياق موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يبد رفضًا قاطعًا للمقترح الإيراني، ما فتح المجال أمام تساؤلات متعددة حول طبيعة هذا السلوك السياسي، ودلالاته.
ويكشف «موقع الأنباء المصرية الجديدة»، من خلال رؤية وتحليل «أستاذة العلوم السياسية»، تفسير هذا الموقف حول عدم اتخاذ دونالد ترامب موقفًا واضحًا من المقترح الإيراني، «هل يعكس هذا الغموض استراتيجية تفاوضية محسوبة ومقصودة، أم نتاجًا لضغوط داخلية وخارجية متعددة الأطراف».
الدكتور دينا يعقوب: الغموض الاستراتيجي في موقف ترامب من إيران يربك حسابات التكلفة والعائد
أكدت الدكتور “دينا يعقوب” أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن امتناع دونالد ترامب الإعلان عن موقفًا واضحًا من المقترح الإيراني، يمثل حالة تدل على نمط أوسع في إدارة السياسة الخارجية قائم على توظيف الغموض كأداة بنيوية داخل عملية صنع القرار، وأوضحت أنه ليس مجرد نتيجة للتردد أو غياب الحسم، فالغموض في هذا السياق لا يفهم كفراغ في الرؤية السياسة، بل كآلية مقصودة لإدارة التفاعل مع الخصم ضمن بيئة دولية معقدة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، وتعدد الفاعلين.
وأشارت أستاذ العلوم السياسية إلى المنظور التحليلي الواقعي للعلاقات الدولية، تفسيره إن هذا السلوك يعكس إدراكًا لوظيفة «عدم الوضوح الاستراتيجي» في تعزيز القدرة التفاوضية، فإبقاء الموقف غير محسوم يسمح للفاعل الأقوى بإدارة توقعات الطرف الآخر دون تقديم التزامات مسبقة تقلل من هامش المناورة، وفي الحالة الإيرانية يؤدي هذا الغموض إلى إرباك حسابات التكلفة، والعائد لدى طهران، ويجعلها تتعامل مع احتمالات متعددة بدلًا من سيناريو تفاوضي ومحدد.

الدكتور دينا يعقوب أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
بين ضغوط الداخل وتعقيدات الخارج.. تعدد مراكز القرار يصنع غموضًا بنيويًا في النظام السياسي الأمريكي
أشادت الدكتور “دينا يعقوب” إلى أن تعدد السيناريوهات المحتملة يسهم في تعزيز قيمة الوقت، والمعلومة لصالح الطرف الأمريكي، مؤكدة أن هذا القرار يظل ناقصًا دون النظر إلى البعد المؤسسي في عملية صنع هذا القرار داخل الولايات المتحدة، خاصة خلال إدارة ترامب، والتي اتسمت بدرجة واضحة من «تعدد مراكز التفسير السياسي»، حيث تتداخل رؤى «البيت الأبيض مع المؤسسات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية».
ولفتت “يعقوب” أن هذا التعدد لا ينتج فقط إلى اختلافًا في التوصيات، بل ينتج عنه حالة أيضًا من عدم الاتساق في الإشارة السياسية “Policy Signaling”، ما يجعل الموقف الخارجي يبدو غير صلب، وغير حاسم، ولا نهائي، وبذلك يتحول الغموض من كونه خيار استراتيجي إلى نتيجة أيضًا مباشرة لبنية القرار نفسه، ويلعب العامل الداخلي دورًا مركزيًا في إنتاج هذا النمط من الغموض داخل النظام السياسي الأمريكي.
وأضافت أستاذ العلوم السياسية أن ملف السياسة تجاه إيران لم يكن ملفًا تقنيًا بحتًا، بل أرتبط بأبعاد قضية واضحة مشحونة أيديولوجيًا، حيث يرتبط التشدد تجاه إيران بجزء مهم من الخطاب السياسي الداخلي، وهذا الوضع يضع صاحب القرار أمام معضلة معفدة: «فالحسم التفاوضي قد يفسر داخليًا كتنازل، بينما التصعيد الكامل قد يفرض تكاليف استراتيجية غير مرغوبة»، وهو ما حالة من التوازن الصعب، ويضع صاحب القرار بين ضغطين متناقضين.
وأصبح هذا الغموض وسيلة لإدارة التناقض بين متطلبات الداخل، وضرورات الخارج دون الدخول في التزام نهائي، كما يؤدي هذا الغموض إلى دورًا إضافيًا على مستوى الإدارة في إدارة التحالفات الإقليمية داخل الولايات المتحدة المتحركة في بيئة شرق أوسطية شديدة التشابك، وتتداخل فيها مصالح الحلفاء مع مخاوف التصعيد الإقليمي.
ثلاثية الأبعاد في السياسة الأمريكية.. أداة نفوذ أم انعكاس لتعقيد صناعة القرار
قالت الدكتور “دينا يعقوب” أن غياب الحسم في بعض المواقف يتيح الحفاظ على درجة من المرونة في التعامل مع أطراف متعددة، دون تقديم التزامات صريحة قد تقيد «الحركة الدبلوماسية أو العسكرية لاحقًا»، وبذلك يتحول الغموض إلى أداة لإدارة التوازنات الإقليمية، ومنع وتجنب الانزلاق والتورط في التزامات مفرطة.
وأشارت أستاذ العلوم السياسية إلى أن هذا السلوك يمكن تفسيره من زاوية أعمق، في إطار يرتبط بـ«إدارة عدم اليقين» كعنصر ثابت في السياسة الخارجية المعاصرة، حيث لم تعد القوة تمارس فقط عبر اتخاذ قرارات واضحة، بل أيضًا عبر التحكم في درجة وضوح القرار نفسه، فالغموض هنا ليس نقصًا في الفعل السياسي، ولكنه شكل متقدم من أشكال الفعل، ويقوم هذا النمط على إنتاج بيئة إدراكية غير مستقرة للطرف المقابل، ليعزز القدرة التفاوضية دون الحاجة إلى تصعيد مباشر.
وأوضحت “يعقوب” أن يعد «تفسير عدم حسم الموقف في التعامل تجاه المقترح الإيراني» لا يمكن اختزاله في ثنائية مبسطة بين كونه «استراتيجية مقصودة، وضغوط داخلية وخارجية»، بل ينبغي النظر إليه كنتيجة لتفاعل ثلاثي الأبعاد؛ ويرتكز المسار الأول على منطق استراتيجي يستخدم الغموض كأداة نفوذ، ويفترض المسار الثاني حدوث بنية مؤسسية متعددة، ومجزأة لصنع القرار.
واختتمت الدكتورة دينا يعقوب حديثها، بالإشارة إلى المسار الثالث، الذي يتمثل في سباق داخلي وإقليمي يفرض قيودًا متزامنة على مستوى الوضوح الممكن، وهو ما ينتج إلى ما يمكن وصفه بـ «الغموض البنيوي الوظيفي»، ففي هذا السياق، لا يعد غياب الحسم استثناءً في السياسة، بل يتحول إلى أحد آليات عملها في بيئات تتسم بارتفاع درجة التعقيد، وعدم الاستقرار.






