إنفراد – مريم ناصر
بدأت «طهران» سباقًا من نوع آخر بعد قرار «وقف إطلاق النار المؤقت»، لإصلاح نفسها وسرعة إعادة ترميم ما خلفته الضربات العسكرية من دمار واسع في البنية التحتية، وفي المرافق الحيوية، وتحركت فرق هندسية لإصلاح المطارات، الجسور، وشبكات النقل، وواصلت المؤسسات الإيرانية تقييم الخسائر الخدمية، في محاولة لاحتواء آثار الحرب، وإعادة الحياة تدريجيًا إلى المدن المتضررة.
ويكشف «موقع الأنباء المصرية» من خلال رؤية وتحليل أستاذ العلوم السياسية عن تحركات المشهد الإيراني، وهو ما يطرح تساؤلًا أعمق حول طبيعة «التهدئة التي تتبناها طهران»: «هل هي تحول حقيقي نحو الاستقرار الداخلي، أم مجرد مرحلة لإعادة ترتيب الأولويات، واستعادة الجاهزية».
دينا يعقوب تكشف فلسفة «الصبر الاستراتيجي» في السياسة الإيرانية
أوضحت دكتور “دينا يعقوب” أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن في كل مرة تدخل فيها إيران مرحلة من التهدئة النسبية، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: «هل تمثل هذه التهدئة تحولًا حقيقيًا نحو الاستقرار وإعادة ترتيب الداخل، أم أنها مجرد استراحة تكتيكية تستخدم لإعادة بناء القدرات استعدادًا لجولة جديدة من التصعيد».
أشارت دكتور “دينا يعقوب” إلى أن الإجابة ليست بسيطة، لأن السلوك الإيراني تاريخيًا يقوم على الجمع بين «البراغماتية السياسية، والعقيدة الأمنية»، لذلك فإن قراءة التحركات الإيرانية تتطلب فهمًا لطبيعة الدولة الإيرانية نفسها؛ فهي ليست دولة تتصرف فقط بمنطق الدولة القومية التقليدية، ولا هي أيضًا دولة أيديولوجية خالصة، بل مزيج معقد بين اعتبارات البقاء الداخلي، الطموح الإقليمي، الهواجس الأمنية، والرؤية العقائدية.

دكتور دينا يعقوب أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
قالت أستاذ العلوم السياسية إن إيران، منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية بعد الثورة الإيرانية، تبنت مفهوم «الصبر الاستراتيجي»، وهو مفهوم يقوم على امتصاص الضغوط مؤقتًا، وتجنب المواجهة المباشرة حين تكون كلفتها مرتفعة، ثم إعادة التموضع تدريجيًا عندما تتغير موازين القوة، لذلك فإن «فترات التهدئة في السياسة الإيرانية» لم تكن في أغلب الأحيان انسحابًا من المشهد، بل إعادة ترتيب للأولويات.
التهدئة الإيرانية.. محاولة لخفض التصعيد دون التخلي عن أدوات القوة
أكدت دكتور “دينا يعقوب” أن القيادة الإيرانية تدرك اليوم أن البيئة الإقليمية، والدولية تختلف كثيرًا عما كانت عليه قبل سنوات، وأن الاقتصاد الإيراني تعرض لضغوط قاسية بفعل العقوبات، وشهد الداخل الإيراني موجات احتجاج متكررة كشفت حجم التآكل الاجتماعي والاقتصادي، وأصبحت تكلفة الانخراط الإقليمي أعلى بكثير من السابق، وهذه المعطيات دفعت «طهران» إلى التركيز بصورة أكبر على «ترميم الداخل»، ومحاولة منع الإنهاك الاقتصادي من التحول إلى تهديد سياسي للنظام.
أضافت “يعقوب” أنه في المقابل لا توجد مؤشرات حقيقية على أن إيران تخلت عن فلسفتها الاستراتيجية الأساسية، فالدولة الإيرانية لا تزال ترى أن أمنها القومي يبدأ خارج حدودها، وأن بناء النفوذ الإقليمي يمثل خط الدفاع الأول عن النظام، لذلك تستمر في الحفاظ على شبكاتها الإقليمية وتحالفاتها العسكرية والأمنية، حتى خلال فترات التهدئة الدبلوماسية.
واستكملت أن ما يحدث إذن ليس تحولًا جذريًا من «دولة مواجهة» إلى «دولة تنمية»، بل محاولة لتحقيق توازن بين الأمرين، وإيران تسعى إلى خفض مستوى التصعيد المباشر عندما يصبح مكلفًا، لكنها في الوقت نفسه لا تتخلى عن أدوات القوة التي بنتها خلال العقود الماضية، وقد ظهر هذا النمط بوضوح بعد الاتفاق النووي المرتبط بـ «خطة العمل الشاملة المشتركة».
إيران تعزز شراكاتها مع الصين وروسيا لتخفيف أثر الضغوط الغربية
أشارت دكتور “دينا يعقوب” إلى أنه في الوقت الذي اتجهت فيه إيران إلى «الانفتاح الاقتصادي النسبي ومحاولة كسر العزلة»، لم تتراجع سياساتها الإقليمية، بل استمرت في تطوير نفوذها في عدة ساحات، وهو ما عزز لدى خصومها قناعة بأن «التهدئة الإيرانية غالبًا ما تكون تكتيكية أكثر منها استراتيجية».
أشادت أستاذ العلوم السياسية إلى أن المؤسسة الأمنية الإيرانية، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، تنظر كذلك إلى البيئة الإقليمية باعتبارها بيئة تهديد دائم، ومن هذا المنطلق فإن أي فترة هدوء تستغل، لتعزيز القدرات العسكرية، تطوير برامج الردع، وإعادة تموضع الحلفاء الإقليميين، فإن مفهوم «إصلاح الذات» بمعنى آخر داخل العقل الأمني الإيراني لا ينفصل عن الاستعداد لاحتمالات الصدام المستقبلية.
لفتت “يعقوب” إلى أن من الخطأ اختزال السياسة الإيرانية بالكامل في فكرة «التحضير للحرب»، فإيران تدرك أيضًا حدود قدرتها على تحمل مواجهة شاملة، خصوصًا في ظل الاختلالات الاقتصادية الداخلية، التفوق العسكري الأمريكي، والتعقيدات الإقليمية الحالية، لذلك فإن سلوكها غالبًا ما يقوم على إدارة التصعيد وليس الانزلاق إليه، أي أنها تسعى إلى الحفاظ على أوراق القوة دون الوصول إلى حرب مفتوحة قد تهدد بقاء النظام نفسه.
يذكر أن التحولات الدولية الأخيرة خاصة صعود التنافس بين «الولايات المتحدة والصين»، منحت إيران هامشًا أوسع للمناورة، فـ «طهران» تحاول الاستفادة من تعددية النظام الدولي لتخفيف عزلتها، وتعزيز شراكاتها مع قوى مثل «الصين وروسيا»، بما يسمح لها بإعادة بناء الاقتصاد وتقليل أثر الضغوط الغربية، دون تقديم تنازلات جوهرية في ملفات النفوذ الإقليمي أو القدرات العسكرية.
يعقوب: إيران تدير التوازن بين الاستقرار الداخلي والنفوذ الإقليمي
أصبحت فترات «التهدئة الإيرانية» تعكس بالفعل حاجة حقيقية إلى الاستقرار الداخلي وإعادة ترميم الاقتصاد، لكنها في الوقت نفسه لا تعني التخلي عن مشروع القوة الإقليمي، فإيران لا تتحرك بعقلية «السلام الكامل»، ولا بعقلية «الحرب الدائمة»، بل بعقلية «إدارة التوازن بين البقاء الداخلي وتعظيم النفوذ الخارجي».
اختتمت دكتور “دينا يعقوب” حديثها، قائلة إن السؤال الأدق ربما لا يكون: «هل تستعد إيران للسلام أم للحرب»، بل: «كيف تحاول إيران استخدام التهدئة لإعادة إنتاج توازن قوة يسمح لها بالبقاء والمناورة في بيئة إقليمية شديدة التقلب»، مشيرة إلى أن «طهران» تعتبر التهدئة أداة استراتيجية، وليست نهاية للصراع.
وفي النهاية، فهي تهدأ عندما تحتاج إلى التقاط الأنفاس، وتتصاعد عندما ترى أن ميزان الردع يتطلب ذلك، وبين المرحلتين تستمر في إعادة بناء نفسها «سياسيًا، اقتصاديًا، وعسكريًا»، ليس بهدف الحرب بالضرورة، وإنما بهدف ألا تدخل أي مواجهة مستقبلية وهي في موقع الضعف.


