إنفراد – مريم ناصر
تتصاعد الأحاديث عن الجولات التفاوضية، وخاصة بين عدد من الأطراف الإقليمية والدولية، وتتجدد التساؤلات حول طبيعة هذه المسارات التفاوضية وحدود فاعليتها، خاصة في سياقات تتسم بتشابك المصالح، وغياب الثقة بين الأطراف، ومن هنا تطرح تساؤلات حول «ما إذا كانت هذه المفاوضات تسهم في إنهاء الصراعات، أم في إعادة إنتاجها بأشكال مختلفة».
ويكشف «موقع الأنباء المصرية»، من خلال رؤية وتحليل «أستاذ العلوم السياسية»، أهمية تحليل آليات التفاوض، ليس فقط من زاوية نتائجه النهائية، بل من خلال المراحل التي تسبقها وتدعمها، بما في ذلك المسارات غير الرسمية التي تهيئ البيئة الذهنية قبل الانتقال إلى الطاولة الرسمية، ومن هنا يصبح فهم التفاوض عملية أوسع من كونه لحظة توقيع اتفاق.
أستاذ العلوم السياسية: التفاوض لا يصنع السلام بل يثبّت موازين القوى
أكدت دكتور “دينا يعقوب” أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أنه إذا نظرنا إلى التفاوض بوصفه «عملية إدارة مصالح تحت ضغط القوة، الوقت، وعدم الثقة»، سنجد أن نجاحه لا يقاس فقط بتوقيع اتفاق، بل بقدرته على إعادة تشكيل سلوك الأطراف على الأرض، وتقليل احتمالية العودة للعنف.
أشارت دكتور “دينا يعقوب” إلى أن هناك أيضًا حالات واضحة نجحت فيها المفاوضات في التحول من مجرد إدارة الصراع إلى تسويته فعليًا، غير أن القاسم المشترك بينها ليس جودة النصوص القانونية، بل توازنات القوة، بنية الضغوط، ووجود قنوات غير رسمية مهدت الطريق قبل أن يجلس السياسيون على الطاولة.
أضافت أستاذ العلوم السياسية أن من أبرز الأمثلة على ذلك، «اتفاقية دايتون 1995»، التي أنهت «حرب البوسنة»، إذا لم تكن هذه المفاوضات «كلاسيكية» بقدر ما كانت نتيجة ضغط أمريكي مباشر، مصحوبًا بتهديد واضح بإعادة استخدام القوة العسكرية، ولم يكمن نجاحها في براعة الصياغة فقط، بل في وصول الأطراف إلى قناعة بأن كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة التسوية.

دكتور دينا يعقوب أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
واستكملت “يعقوب” حديثها، أن التفاوض هنا لم يصنع السلام من فراغ، بل ثبت واقعًا فرضته موازين القوى، وغير أن نموذجًا أكثر اكتمالًا يظهر في اتفاقية «الجمعة العظيمة 1998»، هنا لم يتوقف العنف فقط، بل أُعيد تشكيل النظام السياسي نفسه، «من خلال ترتيبات تقاسم سلطة، دمج فاعلين سابقين في العملية السياسية، واستمرار مؤسسات الاتفاق رغم الأزمات»، وهنا يبرز جوهر «الاستدامة» في التفاوض «اتفاق قادر على البقاء، وليس مجرد اتفاق تم توقيعه».
دبلوماسية المسار الثاني تمهد الطريق للتفاوض عبر تليين البيئة الذهنية وبناء الثقة قبل التفاوض الرسمي
أوضحت دكتور “دينا يعقوب” أن من هنا يمكن أن ندخل مباشرة إلى نقطة “Second Track Diplomacy” أي الدبلوماسية غير الرسمية، أو المسار الثاني، والتي لا تعد بديلًا عن التفاوض الرسمي، بقدر ما تعمل كمختبر غير معلن، ففي هذا المسار لا يتحدث السياسيون بصفتهم الرسمية، بل «أكاديميون، وسطاء، رجال دين، مجتمع مدني، وأحيانًا شخصيات استخباراتية سابقة»، وظيفتها الأساسية ليست التوصل لاتفاق، بل «تليين البيئة الذهنية» قبل التفاوض الرسمي.
أشادت أستاذ العلوم السياسية أنه يعمل هذا المسار بمعنى أدق على ثلاث طبقات حساسة جدًا في أي صراع، أولًا كسر الصورة النمطية للعدو “dehumanization reversal”، وثانيًا اختبار الأفكار السياسية دون تحمل تكلفة الفشل الرسمي، وثالثًا بناء قنوات ثقة شخصية بين النخب، أو الوسطاء.
لفتت “يعقوب” أن تظهر تجارب عديدة الأهمية، كما في حالات مثل «جنوب أفريقيا» في نهاية نظام الفصل العنصري، وكان للمسارات غير الرسمية دور حاسم في فتح قناة اتصال بين النظام الحاكم، وحزب المؤتمر الوطني الإفريقي قبل أن تبدأ المفاوضات العلنية، وهذا النوع من التفاعل غير الرسمي سمح بتجريب «مناطق رمادية» في الحلول، مثل تقاسم السلطة لفترة انتقالية، قبل أن تصبح مقبولة سياسيًا.
المطبخ التمهيدي للمفاوضات.. من اختبار الأفكار إلى بناء قابلية التفاوض قبل الوصول إلى الطاولة الرسمية
أوضحت دكتور “دينا يعقوب” أن المنطق العملي هنا فكرة بسيطة، فالمفاوضات الرسمية تشبه الدخول إلى غرفة مغلقة بها جمهور، وضغط إعلامي، ومحاسبة سياسية، بينما “Second Track” بمثابة «المطبخ الذي تختبر فيه الوصفات قبل تقديمها»، إذا لم تنجح الفكرة في المطبخ، لن تصل أصلًا إلى طاولة التفاوض.
أشارت “يعقوب” إلى أن هذا الطرح أيضًا يشير إلى حدود المسار الثاني؛ فهو لا يفرض حلول، ولا يضمن نجاحًا، هو يخلق قابلية للتفاوض “negotiability”، وليس الاتفاق نفسه، ونجاحه يعتمد على وجود نوافذ سياسية مفتوحة في المسار الرسمي، وإلا يظل مجرد حوار نخبة بلا أثر.
أختتمت أستاذ العلوم السياسية حديثها، بالإشارة إلى أن المفاوضات الناجحة ليست لحظة توقيع، بل سلسلة طبقات تبدأ بحوار غير رسمي، ثم اختبار حلول، ثم ضغط سياسي أو عسكري أو اقتصادي، وأخيرًا تسوية رسمية، أما الفشل فيحدث غالبًا عندما يطلب من التفاوض أن يعمل وحده، دون أن يسبقه تهيئة في «المسار الثاني»، أو يدعمه تغيير في ميزان القوة.





