بسملة الجمل
لم يكن إسدال الستار على منافسات دور المجموعات في كأس العالم 2026 مجرد إعلان لأسماء المنتخبات المتأهلة إلى دور الـ32، بل كشف عن صورة حقيقية لمستوى الكرة العربية، بعد مشاركة تاريخية شهدت وجود ثمانية منتخبات للمرة الأولى، لكن ثلاثة منها فقط نجحت في مواصلة المشوار، بينما غادر خمسة آخرون البطولة من الدور الأول.
ورغم اتساع الحضور العربي في النسخة الحالية، فإن الحصيلة النهائية عكست تفاوتًا كبيرًا في مستوى الجاهزية الفنية والبدنية، وأكدت أن مجرد بلوغ كأس العالم لم يعد الإنجاز الحقيقي، بل أصبحت القدرة على المنافسة وتجاوز دور المجموعات هي المعيار الجديد.
المغرب ومصر والجزائر.. ثلاثي أعاد الأمل
نجحت منتخبات المغرب ومصر والجزائر في الحفاظ على الوجود العربي داخل البطولة، بعدما حجزت بطاقات التأهل إلى دور الـ32، لكنها وصلت بطرق مختلفة.
وظهر المغرب الأكثر استقرارًا، وواصل البناء على المشروع الذي بدأ منذ مونديال قطر 2022، مقدمًا أداءً متوازنًا جمع بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، ليؤكد أن وصوله إلى الأدوار الإقصائية لم يعد مفاجأة.

أما الجزائر، فقد خاضت واحدة من أصعب المجموعات، ونجحت في انتزاع بطاقة التأهل بعد مباريات اتسمت بالإثارة، أظهرت خلالها شخصية قوية وقدرة على العودة في أصعب اللحظات، رغم استمرار بعض المشكلات الدفاعية.
وفي المقابل، كتب منتخب مصر صفحة جديدة في تاريخه، بعدما تجاوز دور المجموعات للمرة الأولى في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، ليؤكد أن المشروع الذي يقوده حسام حسن بدأ يترجم نتائجه على أرض الواقع.
خماسية الوداع.. أسباب مختلفة ونهاية واحدة
وفي الجهة الأخرى، انتهت رحلة تونس والعراق وقطر والسعودية والأردن عند الدور الأول، لكن لكل منتخب أسبابه الخاصة.
وافتقد منتخب تونس للحلول الهجومية، وعانى في صناعة الفرص، بينما دفع العراق ثمن قلة الخبرة في التعامل مع المباريات الكبرى، خاصة في اللحظات الحاسمة.

أما قطر، فلم ينجح في مجاراة الإيقاع البدني المرتفع لمنافسيه، وهو ما أثر بشكل واضح على نتائجه، في حين ظهر المنتخب السعودي بصورة أقل من المتوقع، بعدما افتقد للمسة الأخيرة والقدرة على استثمار الفرص، رغم التنظيم الدفاعي الذي ظهر في بعض المباريات.
ورغم خروج الأردن دون أي نقطة، فإن مشاركته الأولى في كأس العالم تبقى محطة مهمة يمكن البناء عليها مستقبلًا، بعدما اكتسب لاعبوه خبرات كبيرة أمام مدارس كروية مختلفة.
دروس كشفتها البطولة
وأثبتت مباريات دور المجموعات أن المنتخبات التي نجحت في التأهل امتلكت ثلاث ركائز أساسية؛ شخصية قوية داخل الملعب، ولاعبين قادرين على حسم التفاصيل، وجاهزية بدنية حافظت على الأداء طوال 90 دقيقة.
وفي المقابل، كشفت البطولة أن أغلب المنتخبات العربية التي غادرت عانت من مشكلات متشابهة، أبرزها ضعف الفاعلية الهجومية، وتراجع النسق البدني، وغياب الحلول الفردية في المباريات المعقدة.

كما برهنت المنافسات على أهمية احتراف اللاعبين في الدوريات الأوروبية الكبرى، إذ انعكس ذلك بوضوح على سرعة اتخاذ القرار والتعامل مع ضغط المباريات.
اختبارات صعبة في دور الـ32
ولن تكون مهمة المنتخبات العربية الثلاثة سهلة في الدور المقبل، إذ يواجه المغرب منتخب هولندا، بينما يصطدم المنتخب الجزائري بسويسرا، في حين يلتقي منتخب مصر مع أستراليا.

وتبدو هذه المواجهات اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنتخبات العربية على مواصلة الحلم، خصوصًا أن مباريات خروج المغلوب لا تمنح فرصة للتعويض، وتجعل التفاصيل الصغيرة هي الفارق بين صناعة التاريخ أو توديع البطولة.
هل يتغير المشهد العربي؟
ورغم خروج خمسة منتخبات من الدور الأول، فإن استمرار المغرب ومصر والجزائر يمنح الكرة العربية فرصة لإثبات أن التطور لم يعد مجرد استثناء، بل بداية لمرحلة جديدة.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأدوار الإقصائية: هل يكتفي العرب بما تحقق، أم ينجح أحد ممثليهم في كتابة فصل جديد من تاريخ الكرة العربية في كأس العالم؟





